» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



15/01/2011م - 1:58 ص | عدد القراء: 7798


آداب الاختلاف في الرأي



الموضوع : كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين .

المناسبة : وفاة الإمام الحسن ( عليه السلام ) .

العنوان : آداب الاختلاف في الرأي .

المكان : سترة / سفالة / المأتم الجنوبي .

اليوم : مساء الجمعة ـ ليلة السبت .

بتاريخ : 9 / صفر / 1432هج .

الموافق : 15 / يناير ـ كانون الثاني / 2011م .



أعوذ بالله السميع العليم، من شر نفسي الأمارة بالسوء، ومن شر الشيطان الرجيم .

بسم الله الرحمن الرحيم .

الحمد لله رب العالمين .


والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين .

السلام عليكم أيها الأحبة : أيها الاخوة والأخوات في الله ورحمة الله تعالى وبركاته . 

 

تعريف الاختلاف في الرأي ..

موضوع حديثي في هذه الليلة يدور حول " آداب الاختلاف في الرأي " وذلك باقتراح من المنظمين ..

 

الإختلاف في اللغة : هو الفرق والتباين والتنوع، وهو نقيض الاتفاق، والخلاف : هو المضادة والنزاع والخصومة، وهو نقيض الوفاق والوئام، يقال : تخالفوا، أي : تفرقوا وتنازعوا ولم يتفقوا .

 

والاختلاف في الاصطلاح : هو التباين في الرأي بين طرفين أو أكثر بسبب تفاوت العقول والأفهام والاستعدادات الروحية والنفسية والنيات والأغراض والمصالح والظروف المحيطة ونحوها .

 

وعن الفرق بين الاختلاف والخلاف، قيل :

( 1 ) : أن الاختلاف يستعمل في الرأي المبني على دليل، بينما لا يستعمل الخلاف إلا فيما لا دليل عليه .

( 2 ) : وفي الإختلاف تتباين الوسائل والطرق، ولكن الأهداف والمقاصد واحدة، أما الخلاف فتتباين الوسائل والمقاصد .

( 3 ) : أن الاختلاف يكون في الرأي بشكل سلمي، ولكن الخلاف يمثل حالة من الفرقة والنزاع والمواجهة .

 

والحقيقة : أن الاختلاف في الرأي يؤثر بشكل مباشر على الأوضاع العامة للجماعات والمجتمعات والدول، وهذا يتطلب ..

·        وجود القوانين التي تنظم الأوضاع المجتعية، والحقوق، والعلاقات، ووجود سلطة قضائية للفصل في الخصومات، وسلطة تنفيذية تمتلك القوة من أجل فرض القانون، وتنفيذ أحكام القضاء .

·        ووجود قيادة تدير الاختلاف في الرأي في أوساط الجماعات والمؤسسات : ( الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها ) وتحافظ على سير النظام فيها، وتتخذ القرارات وفق آليات محددة، لكي تستطيع المحافظة على استمرار وجود الجماعة أو المؤسسة وتماسكها وقوتها، وتقودها نحو الازدهار والنجاح في تحقيق أهدافها على أحسن وجه وبشكل أكمل .

 

أوجه الاختلاف ..

وللإختلاف أوجه عديدة، منها :

( 1 ) : الإختلاف في الأشكال والاحجام والتركيبات والاستعدادات البدنية والألوان والالسن، قول الله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ } ( الروم : 22  ) .

 

( 2 ) : الاختلاف في الجهد والوسع والطاقة، قول الله تعالى : { وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } ( المؤمنون : 62 ) .

 

( 3 ) : الاختلاف في القدرات والملكات والمواهب والاستعدادات، قول الله تعالى : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } ( الزخرف : 32 ) .

 

( 4 ) : الاختلاف في الرأي العقيدة، قول الله تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ( التغابن : 2 ) .

 

والاختلاف في الرأي هو موضوع البحث .

 

خاصية الإسلام ..

سوف أحاول الدخول إلى البحث في آداب الاختلاف في الرأي بشكل سلس يساهم في فهم الموضوع بشكل أفضل ـ إن شاء الله تعالى ـ وسوف أبدء بالحديث عن بعص خواص الإسلام الحنيف ذات الصلة بالموضوع، فقد حث الإسلام الحنيف على التفكير المنهجي السليم، والتواصل الفكري مع الاخرين، والمراجعة المستمرة للخيارات الفكرية والعملية وإخضاعها للنقد العلمي بحثا عن الحقيقة " الحكمة ضالة المؤمن " وفي ذلك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، وهو من مقتضيات المنطق الروحي القائم على عقيدة التوحيد والسلوك، ومن لوازمهما الفكرية والروحية، حيث يتوقف التوحيد والوصول في السلوك على معرفة الحق، فلا توحيد ولا وصول في السلوك إلا بمعرفة الحق، إلا أن الكثير من الذين ينتسبون للإسلام الحنيف يعانون من التعصب الأعمى، والأمية الفكرية، وفقدان الفكر النوراني الأصيل، والتعويل على الثقافة الجاهزة المبتسرة، التي لا تنتمي إلى الفطرة والدين الحنيف والمنطق السليم، فيقوم هؤلاء الأميون المتعصبون بإلقاء الكلام على عواهنه، وإطلاق الأحكام الجزافية في حق الأشخاص والأطروحات والمواقف بدون برهان، وعلى غير هدى، متسلحين في ضلالهم الأعمى بمقدمات فاسدة لا تمت إلى المنطق السليم والمعرفة العلمية بصلة، مما يترك آثاراً سلبية على الأفرد، أهمها : ضعف القابلية للإصلاح والتكامل، والضياع في المتاهات النظرية والعملية، وغياب الانتاج الفكري القيم، ومن ثم على المجتمع، حيث ظهور الاستبداد، وممارسة الإرهاب الديني والفكري والسياسي والأمني، والحدة في معالجة الاختلافات، وبقائها بدون حلول، وهذا بدوره يؤدي إلى التمزق والفرقة، وأتساع رقعة الصراعات وحدتها، وتهديد الأمن والاستقرار، وإعاقة التقدم وازدهار، وهو بخلاف ما بعث من أجله خاتم الأنبياء والرسل وسيدهم محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قول الله تعالى : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ( الأعراف : 157 ) .

 

وقد أقر الاسلام الحنيف بالاختلاف بين البشر كظاهرة طبيعية إيجابية ومنتجة على جميع الأصعدة والمستويات، ويتعامل معها على هذا الاساس الصحيح والمتين، قول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } ( الحجرات :  13 ) .

 

واعتبر الإسلام الحنيف الاختلاف آية من آيات عظمة الله تبارك وتعالى، ومظهر من مظاهر روعة ابداعه ( جل جلالة ) قول الله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ } ( الروم : 22 ) ..

·        فإذا كان احترام الإنسان كما هو لوناً ولساناً { وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ } يشكل قاعدة من قواعد السلوك الديني الحضاري المتقدم القائم على أساس كرامة الإنسان في نفسه .

·        فإن احترامه كما هو عقيدة ورأيا وموقفا، يشكل إقرارا بحق الإنسان الأصيل في حرية الاختيار وتقرير المصير، على قاعدة : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } ( البقرة : 256 ) .

 

مشروعية الاختلاف في الرأي ..

تعتبر مسألة الاختلاف في الرأي من أهم المسائل الحيوية التي ينبغي علينا أن تقف عندها بوعي وبصيرة، فالاختلاف يمثل ظاهرة طبيعية ملازمة للتجمع الإنساني في كل زمان ومكان ومهما كان صغيرا، قول الله تعالى : { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } ( هود : 118 ) وله أسباب عديدة، منها :

( 1 ) : تفاوت قدرات الناس البدنية والعقلية ومؤهلاتهم العلمية واستعداداتهم الروحية .

( 2 ) : القدرة على التفكير المستقل .

( 3 ) : تباين المناهج والمعتقدات التي تمثل الأساس للآراء والسلوكيات والمواقف .

( 4 ) : تباين الظروف المحيطة .

( 5 ) : تفاوت النيات والأهداف والمصالح .

 

ويعتبر الاختلاف واحد من دعائم الحراك في المجتمعات الإنسانية، ومعرفة نقاط القوة والضعف فيها، ورقيها وتقدمها وإزدهارها، بشرط حسن إدارته، وهذه سنة كونية ومجتمعية، فلا حراك، ولا إصلاح، ولا تقدم، ولا ازدهار، في المجتمعات والدول والحضارات، بدون الاختلاف، قول الله تعالى : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } ( المائدة : 48 ) .

 

هذه الآية الشريفة المباركة تشير إلى ..

( 1 ) : أن الاختلاف ظاهرة طبيعية في المجتمعات الإنسانية .

( 2 ) : وهو يدخل ضمن سنة الابتلاء .

( 3 ) : وأن المطلوب من الإنسان هو ..

·        القبول بمبدأ الاختلاف، والتعايش مع الآخر، واعتباره عاملا من عوامل الاثراء .

·        الاستفادة من الاختلاف لخلق حالة من التنافس الإيجابي بين أبناء المجتمع لتقديم الافضل في مجال الفكر والعمل .

·        الالتزم بالعدل والإحسان في التعامل مع الآخر المختلف .

·        السعى مع الآخر المختلف نحو الخير والكمال والأفضل في الحياة .

( 4 ) : وأن المرجع والحساب للإنسان على أعماله هو على الله العزيز الحكيم وحده لا شريك له .

 

عدم القبول بالاختلاف في الرأي ..

فمن الغريب حقاً أن يحاول البعض جعل الناس كلهم يؤمنون برأي واحد، وخيار واحد، وموقف واحد، ولا يقبل بالاختلاف بينهم في الرأي، وهي محاولة ساذجة بالتأكيد، وغير قابلة للتطبيق، ولا تدل على الرشد في فهم الحياة وسننها ومقتضيات تقدمها وارتقائها في معارج الكمال والازدهار، مع التأكيد على أن كل محاولة لمنع الاختلاف في الرأي لن تؤدي إلا إلى المزيد من الاختلاف والتمزق والتضاد والتخلف !! وهو ما تشهد عليه التجارب، ويصرخ من شديد ألمه الواقع .

 

فليس من الخطأ بل من الصحيح والمطلوب أن يكون المؤمنون موزعون على مدارس فكرية وفصائل وجماعات سياسية واجتماعية وتربوية ونحوها، بحيث يكون لكل منها منهجه في خدمة الدين والعباد، بشرط ..

·        أن يقوم الاختلاف بينهم على أساس التنوع والتخصص والتكامل، وليس على أساس التعارض والتفرق والتحارب واتباع الهوى .

·        وأن يكون بينهم التعاون والتنسيق، ويشد بعضهم أزر بعض .

·        وأن يقفوا في القضايا المصيرية والهموم المشتركة صفا واحدا كأنهم بنيان مرصوص .

ويمكن أن تظلهم قيادة واحدة مشتركة تمتلك رؤية استراتيجية واسعة وجامعة .

 

ومن المؤسف والمحزن جدا أن يوجد بين القيادات الإسلامية والكثير من النخب من لا يقدر هذا الأمر حق قدره، ويصر على فرض رأي واحد، وخيار واحد، وموقف واحد، ولا يقبل بالاختلاف في الرأي، والتنوع في الخيارات، والتكامل بين المؤمنين، رغم تعدد الاحتياجات العملية على الساحة الإسلامية والقومية والوطنية .

 

أقسام الاختلاف في الرأي ومنشأه ..

ينقسم الاختلاف في الرأي إلى قسمين، لكل قسم منشأه ..

( 1 ) الاختلاف العلمي : وهو اختلاف ينشأ من الاختلاف في القدرات العقلية والاستعدادات الروحية ونحوها، وهو اختلاف مقبول عقلا وشرعاً لأنه أمر طبيعي خصوصاً بين أهل المعرفة والنظر والرأي من العلماء والمفكرين والقادة، وبهذا النوع من الاختلاف تتسع المدارك، وتنمو القدرات، وتنشأ الحضارات، وتتقدم العلوم، وتنمو المدارس الفكرية والمذاهب السياسية والاقتصادية والتربوية، وغيرها، وتزدهر المجتمعات، والمجتمع الذي يفرض عليه رأي واحد، وخيار واحد، وموقف واحد، لا يكون إلا مجتمعا سقيما ومتخلفا وغير مستقر، ولا يمكن أن يتقدم ويزدهر .

 

( 2 ) الاختلاف المصلحي : وهو اختلاف ينشأ من الأنانية وحب الذات واتباع الهوى والتقوقع في شرنقة المصالح الخاصة، وبسببه يظهر الاختلاف في الأمور التي لا يرتضي العقل والشرع والطبع السليم ( الفطرة ) الاختلاف فيها لما يترتب عليه من آثار غير محمودة، مثل :

·        النزاع الذي يؤدي إلى تشتيت القوى وإضعافها .

·        وذهاب الأمن والاستقرار .

·        والإضرار بمصالح العباد في الحياة .

·        إعاقة تطور المجتمعات والدول وتقدمها .

 

وهذا النوع من الاختلاف ينشأ عادة بسبب تضارب المصالح الخاصة : ( الفردية أو الجهوية ) وفي ظله تنشأ الفتن والعداوات والفرقة والنزاعات وتترتب عليه الآثار السلبية غير المحمودة في المجتمعات، قول الله تعالى : { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } ( الأنعام : 65 )  وكثيرا ما يوظف أصحاب الأغراض المريضة هذا النوع من الاختلاف لتصفية الحسابات مع الغير، وهو الاختلاف المنهي عنه عقلا وشرعا، ويخالف الذوق الإنساني السليم، ولا يرضاه الله العزيز الحميد، ولا ترضاه الفطرة الإنسانية السليمة، ولمن يريد أن يعرف الحق في هذا النوع من الاختلافات، فعليه أن يعرف أولا من له مصلحة في الاختلاف ومن لا مصلحة له، ثم ينظر في باقي الأمور بموضوعية ومنطق روحي وعقلي سليم .

 

آداب الاختلاف في الرأي ..

الاختلاف قد يكون فكريا وقد يكون عمليا : ( سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعياً أو تربويا أو غيره ) وهناك آداب عامة للتعامل مع الاختلاف، أهمها :

 

( 1 ) : التسامح مع الآخر واحترامه، والانفتاح عليه، وتمكينه من التعبير عن رأيه، والإحسان إليه، وضبط النفس في التعامل معه، ومعاملته برفق ومحبة .

 

( 2 ) : حسن الظن بالآخر، وتجنب محاكمة النيات والحكم عليها جزافا، قول الله تعالى :  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } ( الحجرات : 12 ) وفي الحديث : " ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً " .

 

( 3 ) : تجنب الغيبة والإساءة وتتبع الغثرات للآخر وتصيد أخطاءه ونشرها للنيل منه بهدف الغلبة والانتصار عليه ظلما وعدوانا، قول الله تعالى :{ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } ( الحجرات : 12 ) فمن الطبيعي أن توجد أخطاء في العمل لدى كل إنسان غير معصوم، والمطلوب تقديم النصح والإرشاد والتسديد والمساعدة على تجاوز الأخطاء والثغرات وسدها لا تصيدها وتحويل الاختلاف بجهالة إلى اختلاف وصراع يمحو كل فضيلة، ويدمر كل إنجاز .

 

( 4 ) : تجنب الإقصاء والإبعاد للآخر، وعدم السعي لإسقاطه إجتماعيا، فهذا مخالف للإخلاص قطعا، ودليل على قصر النظر، وعدم القدرة على التكيّف مع الآخر، وهو معيق لتطوير المجتمعات والدول، والمطلوب هو التعامل مع الآخر طبقاً للمعايير العقلين والموازين الشرعية والقيم الأخلاقية والأطر الإنسانية المتفق عليها، واعتباره سبيلا إلى معرفة الأصوب بين الآراء والمواقف، والسعي لمعرفة المشتركات في الفكر والمصالح والتكامل معه، بهدف الارتقاء والتقدم والازدهار .

 

( 5 ) : المعرفة العلمية الدقيقة والتامة بالرأي الآخر قبل الرد عليه، وأن لا يرد الجاهل على العالم، والغريب على التخصص على أهل الاختصاص، وتجنب السلوك القبيح الذي يعتمده الكثيرون بالتأسيس على الاستماع والفهم الناقص في الحكم على الآخر بدون الوقوف المباشر على آرائه ومواقفه، قول الله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ . ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ . ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } ( الحج : 8 ) .

 

( 6 ) : التحلي بالموضوعية في البحث عن الحقيقة التي هي ضالة المؤمن، والإذعان للحق، والإعتراف بالخطأ متى تبين صواب الرأي الآخر، والتخلي عن صنمية الأفكار والآراء الخاصة، وتجنب قطع النصوص وفصلها عن سياقها الموضوعي بالاعتماد على التدليس والبتر والمعرفة السطحية .

 

( 7 ) : تجنب تحويل الاختلاف في الرأي إلى صراع بين الحق والباطل، وإضفاء صفة الدين والقداسة على الرأي، واللادين على الرأي الآخر واحتقاره ـ رغم التزامه بقواعد وأصول الاجتهاد العلمي الصحيح ـ وهذا بخلاف الأدب الذي يقتضي محاسبة النفس والمحاكمة الدقيقة للأفكار والمواقف الخاصة، وليس لأحد غير المعصوم أن يدعي بأنه يملك الحقيقة والعصمة من الوقوع في الخطأ، مع التأكيد على أن هذا السلوك المقيت يؤدي إلى تمزيق وحدة الصف ونشر الفرقة وخلود الاختلافات وبقائها بدون حل .

 

والحقيقة أن الكثير مما سبق تحت عنوان الآداب، هي حقوق ثابتة للآخر، وليست مجرد آداب .

 

واجب القيادة نحو الاتباع في حال الاختلاف ..

القيادة الحقيقية تتقدم في الوعي والبصيرة على الاتباع، وقد تلجأ إلى اتخاذ مواقف لا يدرك الاتباع حقيقتها والحكمة فيها، وهنا يجب على القيادة أن تبين للأتباع وجهة نظرها، لا أن تطالبهم بالاتباع الأعمى لها، فهذا ..

·        خلاف كرامة الإنسان الذي يتمتع بالعقل وحرية الاختيار .

·        وبخلاف ما يقتضيه العقل والفطرة والدين من العمل على بصيرة، قول الله تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ( يوسف : 108  ) .

·        وبخلاف مصالح الإنسان الحيوية وما يقتضيه مصيره الوجودي في الحياة وعاقبته في الآخرة .

 

وقد التزم الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهذا الواجب الديني والروحي والعقلي والإنساني مع أصحابه بخصوص صلح الحديبية مع قريش، ونزل بشأنه قرآنا، قول الله تعالى : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا . وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا } ( الفتح : ) والتزم به الإمام الحسن ( عليه السلام ) مع أصحابه بشأن الصلح مع معاوية، وأكده أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بقوله: " وإن ظنت الرعية بك حيفاً فاصحر لهم بعذرك، وأعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقا برعيتك، وإعذارا تبلغ به حاجتك من تقويهم على الحق " ( النهج . الكتاب : 52 ) وقد بين الأهداف الرئيسية لهذا المنهج في التعامل مع الأتباع، بقوله : فإن في ذلك ..

·        رياضة منك لنفسك، مما يدل على تأثير الاتباع الأعمى في إفساد القيادات وإنحرافها .

·        ورفقا برعيتك، مما يدل على أن الاتباع الأعمي هو تكليف فوق الوسع والطاقة للمتشرعة والعقلاء، وأن في البيان لهم رفق ورحمة بهم  .

·        وإعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق، مما يدل على تأثير الاتباع الأعمى في ضلال الاتباع وانحرافهم .

 

خلاصات البحث ..

نتوصل مما سبق إلى الكثير من النتائج، أهمها :

( 1 ) : أن الاختلاف ظاهرة طبيعية بناءة يجب التسليم بها وقبولها واعتبارها دليلا على صحة المجتمع وعافيته، والسعي إلى تطويرها وتثبيتها في الحالة الإيجابية البناءة والنافعة للمجتمع والدولة من خلال حسن التصرف والتدبير والإدارة .

 

( 2 ) : الحاجة إلى وجود القوانين التي تنظم الأوضاع والعلاقات وتحفظ الحقوق، ووجود القيادة التي تدير الاختلاف في الرأي في أوساط الجماعة أو المؤسسة، وتتخذ القرارات وفق آليات محددة، لكي تستطيع المحافظة على وجود الجماعة وتماسكها وقوتها، وتقودها نحو الازدهار والنجاح في تحقيق الأهداف على أحسن حال وأكمل وجه .

 

( 3 ) : أن يكون هدفنا دائما هو البحث عن الحقيقة والتطلع إلى تحصيلها متسلحين بالموضوعية ونقذ الذات .

 

( 4 ) : الاعتراف للآخر بحق إبداء الرأي، حتى لا نعيش الازدواجية بحيث يحق لي ما لا يحق لغيري، ولا يحق لغيري ما يحق لي .

 

( 5 ) : أن قسر الناس على رأي واحد هو في الحقيقة من الاستبداد المنهي عنه عقلا وشرعا، وآثاره مدمرة في المجتمع والدولة، ومن آثاره ..

·        قتل الكفاءات وهجرتها .

·        كبت الطاقات والمواهب وإفسادها .

·        انتشار الجهل والتخلف على كافة الأصعدة .

·        التمزق والفرقة وخلود المشاكل وبقائها بدون حل .

 

( 6 ) : ينبغي للقيادات الإسلامية العليا أن تتفهم حقيقة الأمر في الاختلاف، وأن تحتضن كافة فصائل المؤمنين وجماعاتهم، ضمن رؤية استراتيجية واسعة وجامعة، تتكامل فيها جميع الرؤى والخيارات والأدوار والمواقف، وأن تحذر القيادات من فرض رؤية واحدة، وخيار واحد، على جميعهم، في محيط وظروف تتطلب التنوع والتكامل في الأدوار والأساليب والوسائل .

 

أسئلة الحضور والإجابة عليها ..

السؤال ( 1 ) : لي رأي وللآخرين رأي يختلف، وحينما يطرح أحد رأيه ويدافع عنه، يتحول الاختلاف إلى نزاع ..

ما هو الحل ؟ ولماذا لا يوجد حل جذري للوضع العام ؟

 

الجواب ( 1 ) : من حق كل فرد وكل جهة أن يطرحوا مختلف آرائهم وقناعاتهم ويدعوا إليها ويدافعوا عنها بكل حرية وأمان، وليس لأحد الحق في منعهم من ممارستهم لهذا الحق الطبيعي لهم، وهو حق يقره الدين الإسلامي الحنيف، والمواثيق الدولية .

 

ولكن ينبغي عدم تحول الاختلاف إلى خلاف ونزاع ومواجهة، فتحويل الاختلاف في الرأي إلى خلاف هو جهالة لا يفعله مخلص وصاحب ضمير يمتلك الرشد في التفكير .

 

وينبغي التطلع إلى إصلاح الحالة القيادية العامة، ولن يحصل الإصلاح مالم يتحمل الجميع مسؤولياتهم الدينية والوطنية بكل جدية، أما السلبية، والانحياز غير المدروس، والحياد السلبي، فلن يغير شيئا .

 

السؤال ( 2 ) : البعض يقول : لنا شرعية وليس للآخرين شرعية، ما هو تعليقك ؟

 

الجواب ( 2 ) : كثر الحديث عن هذا الموضوع في وقت سابق، ويفترض أن نكون قد تجاوزناه، إلا أن البعض لا زال يكرره لشيء في نفسه بالطبع . والحق أنه لا يجوز للمؤمن أن يطعن في شرعية عمل أخيه المؤمن، والمطلوب منه أن يحمل عمل أخيه المؤمن على الصحة، إلا إذا علم علما يقينا بعدم شرعيته . والطعن في شرعية عمل المؤمنين بدون علم، مخالف للشرع وللذوق، وهو من وساوس الشيطان الرجيم، فعلى المؤمنين الحذر من الوقوع في حبائل الشيطان الرجيم .

 

ويجب النمييز بين المرجعية العليا التي تمتلك صلاحيات الولاية الشرعية، والقيادات الفرعية التي لا تمتلك صلاحيات الولاية الشرعية ..

·        وكما أن تجاهل صلاحيات من يمتلك حق الولاية الشرعية قبيح، ومخالف للشرع، ومضر بمصالح المجتمع .

·        فإن إعطاء هذه الصلاحيات لمن لا يمتلك حق الولاية الشرعية قبيح أيضا، ومخالف للشرع، ومضر بمصالح المجتمع، ويؤسس علميا وعمليا لحالة طاغوتية .

 

وبخصوص تيار الوفاء الإسلامي : فإنه قد تواصل مع المرجعيات الدينية العليا وأعلن عن نتائج التواصل، فلم يبق لأحد حجة بعد إعلان التيار عن نتائج تواصله مع المرجعيات الدينية العليا، إلا أن البعض قد شكك ولا يزال يشكك في أمانة النقل ودقته، والله وحده العالم بما في النفوس !!

 

أيها الأحبة الأعزاء

أكتفي بهذا المقدار

واستغفر الله الكريم الرحيم لي ولكم

واستودعكم الله الحافظ القادر من سوء ومكروه

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

صادر عن : إدارة موقع الأستاذ .