» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



13/09/2010م - 3:52 ص | عدد القراء: 6636


الاستقامة في العمل الإسلامي



الموضوع : كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين .

المناسبة : تأبين الشهيدين محمد جمعة وعباس الشاخوري .

العنوان : الاستقامة في العمل الإسلامي .

المكان : مأتم الهداية ـ قرية الشاخورة .

اليوم : مساء الجمعة ـ ليلة السبت .

التاريخ : 24 / ربيع الثاني / 1431هج .

الموافق : 9 / ابريل ـ نيسان / 2010م .



أعوذ بالله السميع العليم من شر نفسي الأمارة بالسوء، ومن شر الشيطان الرجيم .

بسم الله الرحمن الرحيم .

الحمد لله رب العالمين .

والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين الأخيار .

السلام عليكم أيها الأحبة : أيها الأخوة والأخوات في الله ورحمة الله تعالى وبركاته .

 

في البداية : رحم الله من قرأ السورة المباركة الفاتحة، وأهدى ثوابها إلى روحي الشهيدين السعيدين : ( محمد جمعة وعباس الشاخوري ) وإلى شهداء البحرين الأبرار .

 

الاستقامة على الدين الحنيف ..

قال الله تعالى : { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } ( هود : 112 ـ 113 ) .

 

في هذه الآيات الشريفة المباركة بيان لوظيفة ربما تكون الوظيفة الأهم من بين وظائف المؤمنين، ولإحدى مسؤولياتهم الهامة جدا في الحياة، وهي الاستقامة على الدين الحنيف .

وفي الحديث عن الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال : " شيبتني سورة هو " وقيل : أنه أراد هذه الآية التي إمرته وأمته بالاستقامة .

 

والاستقامة المأمور بها في الآية الشريفة المباركة مرتبة عالية جدا، بدليل أن الله عز وجل أمر بها الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) رغم ما هو عليه من الاستقامة المطلقة في الدين الحنيف والكمال الأكمل والقرب من الله العلي العلى . كما أمر بها الأنبياء ( عليهم السلام ) قبله، قول الله تعالى لموسى وهارون ( عليهما السلام ) : { قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ( يونس : 89 ) ولما سأل سفيان الثقفي الرسول الأعظم الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، أجابه بقوله : " قل آمنت بالله ثم استقم " ( مجمع البيان . ج5 . ص 199 ) .

 

والاستقامة المأمور بها : تشمل الاستقامة في التفكير والاستقامة في الشعور والعواطف ( الحب والكراهية ونحوهما ) والسلوك والمواقف والعلاقات، وهي في الحقيقة تفيد أمرين ..

·        العمل بروح الدين الحنيف والأخذ الجدي بحقيقته، وليس التمسك بالشكليات على حساب الحقائق والوقائع .

·   والكرامة من الله الجليل لأهل الاستقامة ليكونوا مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا من خاصة عباده المكرمين .

 

وهي تعني أمور عديدة، منها  

( 1 ) : : الاعتدال والوقوف عند حدود الله عز وجل وأمره ونهيه، وعدم الانحراف عن الحق إلى الباطل، وعن الهداية إلى الضلال، وأن نكون في منهج تفكيرنا وعواطفنا وجميع أقوالنا وأفعالنا وسلوكنا ومواقفنا وعلاقاتنا مع الغير على صراط الله المستقيم وهذا يتطلب ..

·        التحلي باليقظة الدائمة وعدم الغفلة .

·   التحري والتدقيق والمحاسبة ليكون عملنا فعلا وحقيقة على خط الاستقامة، وليس من حيث الشكل والادعاء وما نقدمه من تبريرات فاسدة إلى الناس، فنحن نستطيع أن نخدع الناس من أمثالنا، ولكننا لا نستطيع أن نخدع الله عز وجل، الذي يعلم خائنة العين وما تخفي الصدور، فإنه لا يخدع في دينه أبدا .

·        ضبط العواطف والانفعالات .

·        الالتزام المطلق بخط الولاية في عصر الغيبة كما هو في عصر الظهور .

 

( 2 ) : الاستمرار في القيام بالوظائف الشرعية الخاصة، مثل الصلاة والصيام والحج والخمس والزكاة، والوظائف الشرعية العامة، مثل : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإرشاد والتبليغ بالرسالة والسعي الجدي لتطبيقها والعمل الصادق بها، وهي واجبة كوجوب الصلاة والصيام والحج والخمس، فلا يكفي لتحقيق الاستقامة القيام بالوظائف الشرعية الخاصة، وإنما يجب أيضا القيام بالوظائف الشرعية العامة، وهذا يفرض ..

·   أن تكون الاستقامة شاملة لجميع شرائح الأمة والمجتمع : ( القيادة والنخبة والجماهير ) قول الله تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } ( يوسف : 108 ) ولا يكفي استقامة القيادة فحسب لكي تتحقق أهداف الاستقامة العامة في الأمة والمجتمع .

·   الحرص على كسب أكبر القدرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونحوها على خط الاستقامة من أجل تحقيق أهدافه ومقاصده، قول الله تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } ( الأنفال : 60 ) فإذا لم تتوفر هذه القدرات في الأمة فهذا دليل على غياب الاستقامة وعدم تحققها، وبدون هذه القدرات لا تتحقق  أهداف الاستقامة .

·   الاستمرار على طريق المواجهة ضد الباطل والظلم والطغيان وقوى الشر والرذيلة، وبدون هذه المواجهة لا تتحقق الاستقامة، فالاستقامة لا تتحقق مع القبول بالظلم والسكوت عليه وعدم مواجهته، قول الله تعالى : { وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } ( هود : 113 ) .

 

والاستقامة تقتضي أمور عديدة، منها :

( 1 ) : الإيمان بالغيب وفرض الرقابة الإلهية على النفس، فبدون الشعور الجدي بالرقابة الإلهية على النفس، لن تتحقق الاستقامة المطلوبة في التفكير والمناهج والسلوك والمواقف والعلاقات مع الغير، وسوف يجد الإنسان نفسه في منزلقات التبريرات والخدع الشيطانية، فلا تتحقق العصمة من الوقوع في هذه المنزلقات والتبريرات والخدع إلا مع شعور الإنسان العميق والجدي بالرقابة الإلهية على نفسه .

 

( 2 ) : عدم الاختلاف في أسس الدين وأصوله، لأن الاستقامة لا تعني سوى الالتزام بخط التوحيد في الفكر والعمل، وعدم التنازع والتفرق الذين يؤديان إلى الضعف والفشل في القيام بالواجبات وتحقيق الأهداف، ثم الاحتكام إلى الدين لحل الاختلاف والتنازع في حال حدوثهما . فوجود التنازع والاختلاف الذين يؤديان إلى الضعف والفشل في تحقيق الأهداف يؤشر على غياب الاستقامة، قول الله تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } ( الأنفال : 46 ) وإذا حدث التنازع والاختلاف في ساعة الغفلة، فإن الاستمرار فيهما والفشل في الخروج منهما أمر خطير للغاية، فهو يدل على عدم توفر الاستقامة، وعدم توفر الكفاءة في حمل أمانة الدين والمجتمع .

 

( 3 ) : القوة الروحية وعدم الضعف النفسي والروحي بإتباع هوى النفس والشهوات أو الخضوع إلى التهديد تحت تأثير الخوف وإلى أصحاب الرغبات النفسية والمصالح الخاصة الذين لا يعلمون بحقائق الأمور وتبعاتها في الدنيا والآخرة ويضغطون على أصحاب القرار لتحقيق مآربهم الخاصة في الحياة فيقبلوا منهم تحت تأثير الطمع أو المجاملة ونحوهما، فالقوة الروحية شرط من شروط الاستقامة، والضعف النفسي والروحي يؤدي إلى فقدانها .

 

( 4 ) : الصدق والإخلاص لله ذي الجلال والإكرام في العمل والسلوك والمواقف والعلاقات، وأن لا يكون المراد من عملنا الرياء أو السمعة أو اكتساب المقام والثروة ونحوه، وأن لا يكون لوساوس الشيطان دخل فيه، وأن لا يكون هناك إصرار على الخطأ في الأطروحات والمواقف، والمبادرة إلى تصحيحه بعد اكتشافه، فلا يمكن أن تتحقق الاستقامة بدون الصدق والإخلاص، ولا استقامة مع وساوس الشيطان والرياء والسمعة والوقوع في أسر المقامات والمناصب والثروة والإصرار على الأخطاء وعدم المبادرة إلى تصحيحها، فيجب التخلص منها جميعا لكي يستطيع الإنسان أن يكون على خط الاستقامة والسير فيه .

 

فوائد الاستقامة في الدنيا والآخرة ..

وللاستقامة فوائد كبيرة في الدنيا والآخرة، قول الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } ( الأحقاف : 13 ) لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لا في الدنيا ولا الآخرة، وقول الله تعالى : { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا } ( الجن : 16) .

فالاستقامة تبعد الخوف والحزن عن الإنسان في الدنيا ويشعر بالأمن والاطمئنان مهما كانت الظروف والأوضاع التي يعيشها، ولا يصيبه الخوف والحزن في الآخرة .

وأيضا الاستقامة سببا للبركة في العمر والرزق والأولاد والبيئة وغيرها، وسببا للظفر والنصر، قول الله تعالى : { أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ( محمد : 7 ) فالنصر لا يطلب من وراء العدد والعتاد، قول الله تعالى : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } ( آل عمران : 123 ) وقول الله تعالى : { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ } ( التوبة : 25 ) وإنما يطلب من عند الله وحده لا شريك، قول الله تعالى : { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } ( آل عمران : 126 ) وقول الله تعالى : { إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } ( آل عمران : 160 ) والطريق إليه هي الاستقامة على الدين الحنيف .

 

الطغيان في مقابل الاستقامة ..

ويقابل الاستقامة الطغيان، وهو ..

·   تجاوز الحد المرسم في حكم العقل والدين إلى طرفي الإفراط والتفريط ( المبالغة والتقصير ) لأنهما يخرجان دين الله عن طبيعته وعن الطريقة الوسطى، قول الله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } ( البقرة : 143 ) .

·        والخروج عن الصراط المستقيم في العقيدة والمفاهيم والمناهج العملية والخطط والأهداف المرسومة ونحوها .

 

والطغيان لا يكون مع الالتزام بخط التوحيد وفرض الرقابة الإلهية على النفس، وإنما يحدث مع الاستغراق في الذات وأتباع الشهوات والخضوع للمصالح الخاصة والضعف أمام التحديات التي يضعها الغير في وجه الاستقامة على الحق وأتباع العدل .

 

ثمار الشعور بالرقابة الإلهية على النفس ..

إن فرض الرقابة الإلهية على النفس لها ثمار طيبة عظيمة، منها : البصيرة والتسديد والتوفيق من الله جل جلاله للعبد، قول الله تعالى : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } ( العنكبوت : 69 ) فيكون العبد بصيرا بحقائق الأمور، وقادرا على اتخاذ القرارات الصحيحة في الظروف الصعبة، بينما يكون المستغرق في الشهوات والضعيف أمام المغريات والتحديات ( الخوف والطمع ) أعمى وتائه يتخبط يمينا وشمالا وهو لا يعرف الطريق ولا يعرف وجهته الحقيقية في الحياة، قول الله تعالى : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (الأنعام : 122) .

 

والاستقامة درجات، والبصيرة والتوفيق والتسديد درجات أيضا، وتكون درجة البصيرة التوفيق والتسديد بمقدار درجة الاستقامة، فكلما زادت درجة الاستقامة عند الإنسان، كلما زادت درجة البصيرة والتوفيق والتسديد من الله الغني الحميد للعبد، والعكس صحيح، أي : كلما قلت درجة الاستقامة، كلما قلت البصيرة، وقلت درجة التوفيق والتسديد .

 

الركون إلى الظالمين من الطغيان ..

ومن الطغيان الركون إلى الظالمين من الطواغيت والجبابرة والمستكبرين الذين يقهرون العباد بقوتهم، ويعتدون على حقوق الناس وحرياتهم، ويفرضون عليهم العبودية لغير الله جل جلاله، ولا يلتزمون بحدود الله وشريعته في الحياة، والركون إليهم يعني ..

·        الالتجاء إليهم والاستعانة بهم والاعتماد عليهم في قضاء الحوائج وتحقيق المطالب .

·        إطرائهم وتملقهم والثناء عليهم بهدف إرضائهم وكسب ودهم والحصول على عطاياهم ومكارمهم .

·   الاستسلام لفكرهم السياسي وخططهم العملية، والسكوت عن ظلمهم وإذلالهم للمؤمنين والمستضعفين، وعدم استفراغ الوسع في رفضها ومقاومتها والدفاع عن الحق والعدل والحرية والحقوق .

·        السرور بالتعايش معهم ومصاحبتهم والتزيي بزيهم والتمظهر بمظاهرهم في الحياة .

 

والركون إلى الظالمين يدل على عدم ثقة الراكن إليهم بالله جل جلاله وبجزائه في الآخرة، وعدم الثقة بوعده للصابرين والمستضعفين بالنصر والظفر على أعدائهم .

والركن في اللغة هو الناحية القوية، والنهي عن الركون إلى الظالمين يدل على أن الركون إليهم يدخل في دائرة الوهم وخداع النفس، فهم في الحقيقة والواقع لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فضلا عن أن يملكوه لغيرهم، فهم لن ينفعوا من يركن إليهم بشيء، ولن يكون لأحد من ناصر في الدنيا والآخرة سوى الله سبحانه وتعالى، قول الله تعالى : { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } ( الرعد : 14 ) .

 

الذنوب المتعلقة بالشأن العام ..

وبهذه المناسبة أريد التنبيه إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي خطورة الذنوب المتعلقة بالشأن العام وحقوق الآخرين، فنحن نرى البعض منا يتحسس كثيرا من الذنوب الخاصة المتعلقة بالواجبات والمحرمات الخاصة، مثل : الصلاة والصيام من الواجبات، وشرب الخمر والزنا من المحرمات، ولكن لا نجد له نفس الحساسية بالنسبة إلى الواجبات والمحرمات المتعلقة بالشأن العام، مثل : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الواجبات، والركون إلى الظالمين والسكوت عن ظلمهم والقرارات التي تصب في خدمتهم من المحرمات، فلا يدقق فيما ينتج عن مواقفه المتعلقة بالشأن العام من نصرة الظالمين وضياع حقوق المظلومين، رغم أن تبعاتها وحسابها في يوم القيامة أشد، فقد جاء في الحديث القدسي : " وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوما فقدر أن ينصره فلم ينصره " ( كنزل العمال . ج3 . ص505 . الحديث : 7641 ) وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : " الظلم ثلاثة : ظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب، فإما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات (صغار الذنوب) وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد لبعضهم " (النهج . قصار الحكم) .

 

والمواقف التي من شانها أن تضيع حقوق الناس وتنصر الظالمين هي بلا شك ..

·   خلاف الاستقامة ونتيجة للتأثر بالتيارات الفكرية والسياسية غير الإسلامية في مناهج العمل، وفهم الواقع، وتحديد الأساليب والمواقف .

·   ومساهمة للظالمين في ظلم المظلومين، لأنها تعزز قواعد الظلم وتشد من أزر الظالمين، وتفسح المجال إلى الظلم أن يقوى وينتشر، وللظالم أن يستمر في بسط سلطانه على المؤمنين والمستضعفين .

 

شرعية التعامل مع الظالمين ..

وينبغي التنبيه إلى أن الفقهاء قد بينوا بأن شرعية التعامل مع الظالمين تخضع لطبيعة التعامل معهم والنتائج المترتبة عليها، وليس له حكما عاما واحدا لا يخضع لضوابط وشروط محددة . كما لا يعول في التعامل مع الظالمين على مجرد حسن النية والقصد بغض النظر عن النتائج العملية المترتبة على هذا التعامل في الخارج وعلى أرض الواقع، فينبغي على المؤمنين الأعزاء ..

·   التدقيق بواقعية وحسن النظر في مناهج وأساليب عملهم ومواقفهم السياسية والاجتماعية وغيرها من الظالمين، لئلا يكون تعاملهم وتكون خياراتهم السياسية تدخل ضمن مصاديق الركون إلى الظالمين بدون قصد، فيكونوا عرضة لغضب الله جل جلاله وعقابه في يوم القيامة على خلاف ما يريدون .

·   أن يحسنوا إدارة الاختلاف والموقف فيما بينهم، ويحرصوا فيها على الاستقامة بمعناها الشامل، فيلتزموا التزاما مطلقا بالأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية الرفيعة، ويأخذوا بما يوحد صفوفهم ويقويهم ويحفظ حقوقهم ومكتسباتهم المشروعة، ويصون حرياتهم وعزتهم وكرامتهم، ولا يقعوا تحت تأثير الهوى والعصبية والجمود والمصالح الآنية الضيقة، فيخرجوا عن خط الاستقامة ويقعوا في معصية الله جل جلاله، وظلم بعضهم البعض، ويفوتوا المصالح الحقيقية على أنفسهم .

 

خصائص هذا التأبين الثنائي :

وفي ختام هذه الكلمة أريد أن أنبه إلى أهمية هذا التأبين الثنائي المشترك وتميزه، فهذا التأبين يمثل برأيي مناسبة متميزة، حيث أن الشهيد عباس الشاخوري وقع شهيدا في يوم ذكرى شهادة الشهيد محمد  جمعة، وأن شهادة محمد جمعة ترتبط بقضية فلسطين العزيزة، أما الشهيد عباس الشاخوري فكانت شهادته بسبب الفساد المستشري في هذه البلاد وغياب دولة القانون والمؤسسات، مما يسلط الضوء على اهتمام المعارضة البحرينية بالبعدين : الوطني والإسلامي، وعدم الفصل بينهما .

 

وفي ظل الجدل حول أيهما أكثر أهمية، القضية الفلسطينية أم القضية الوطنية، أنبه إلى الخطأ المنهجي الذي يقع فيه بعض المؤمنين الأعزاء، حيث يتم النظر إلى القضايا السياسية في نفسها كما ينظر في القضايا النظرية في الفلسفة والمنطق والأصول ونحوها وليس في بعدها العملي، فتكون النتيجة : أن القضية الفلسطينية أكثر أهمية من القضية الوطنية، وهذا صحيح في نفسه من الناحية النظرية، ولكن صب الاهتمام على القضية الفلسطينية أكثر من القضايا الوطنية يمثل خطأ منهجيا بالنظر إلى البعد العملي، فالشعوب العربية والإسلامية لن تستطيع أن تخدم قضية فلسطين وتنجح في تحريرها مادامت تخضع إلى حكومات مستبدة وعميلة إلى أمريكا والكيان الصهيوني، فيجب أن تتخلص الشعوب من استبداد وطغيان حكوماتها أولا لكي تتيح لنفسها فرصة خدمة القضية الفلسطينية وغيرها من قضايا الأمة الكبرى بشكل فاعل . وهذا ما أثبتته التجربة،  فالشعب الإيراني استطاع أن يقدم العون والمساعدة للشعب الفلسطيني ويخدم القضية الفلسطينية بشكل فاعل بعد أن تخلص من حكم الشاه المستبد والعميل لأمريكا والكيان الصهيوني، وأتيحت لحزب الله في لبنان فرصة المقاومة وخدمة القضية الفلسطينية بشكل فاعل، لأن النظام في لبنان سمح عمليا بظهور المقاومة، ولو كان النظام في لبنان على غرار باقي الأنظمة العربية لما استطاع حزب الله إيجاد المقاومة والانتصار على الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين العزيزة . وقد وقف الشعب المصري وهو شعب مسلم غيور وعريق عاجزا عن تقديم العون والمساعدة إلى الشعب الفلسطيني رغم جواره له، بل وقف ينظر عاجزا إلى حكومته وهي تساهم بشكل فعال ومخزي في فرض الحصار على الشعب الفلسطيني، وذلك بسبب استبداد وطغيان حكومته، ولن يستطيع تقديم العون والمساعدة للشعب الفلسطيني حتى ينجح في القضاء على هذا الاستبداد وهذا الطغيان، ومع استمرارهما سوف يستمر هو في عجزه عن تقديم العون والمساعدة للشعب الفلسطيني الشقيق المظلوم . وما يقال عن الشعب المصري يقال أيضا عن الشعب الأردني .

 

التحفظ على إطلاق صفة الشهداء على ضحايا السلطة ..

وبهذه المناسبة أنبه بعض المؤمنين الأعزاء إلى خطأ تحفظهم على إطلاق صفة الشهداء على الذين يقعون ظلما بأيدي المرتزقة من قوات السلطة في الوقت الحاضر، فقد أكدت المرجعيات الدينية العليا على حق المواطنين في المطالبة بالحقوق، وأن المسؤولية الشرعية عما يقع عليهم من الضرر، مثل : الجرح والاعتقال والقتل في حال مطالبتهم بالحقوق تتحملها السلطة الظالمة وحدها، وأرى بأن التحفظ على إطلاق صفة الشهداء على هؤلاء الضحايا المظلومين، لا يمثل خطأ في الفهم الشرعي فحسب، وإنما يمثل خطأ في النظام ألقيمي أيضا، فحري بالمؤمنين الأعزاء الانتباه إلى هذا الخطأ وتصحيحه .

 

والمطلوب منا على ضوء ما سبق ذكره في ظلال الآيات الشريفة المباركة ..  

·        الاستمرار في القيام بالوظائف الشرعية : ( الخاصة والمتعلقة بالشأن العام ) بصدق وإخلاص .

·   الحذر كل الحذر من الركون للظالمين ومن الثقة بهم وبوعودهم التي لا حقيقة لها ولا صدق إلا عند مرضى النفوس الذين لا يبصرون حقائق الأمور ولا يتعلمون من التجارب والتاريخ ولا يتعظون .

·   الصبر على طريق ذات الشوكة والاستمرار في المواجهة ضد الظالمين والمستكبرين حتى يتحقق وعد الله عز وجل بالنصر للمؤمنين والمستضعفين في الأرض، وعدم الخوف من الأعداء وكثرتهم وعتادهم، وعدم الشك أو التردد في هزيمتهم واندحارهم مع تحقق الإخلاص لله سبحانه وتعالى والالتزام المطلق بشريعته في المواجهة، قول الله تعالى : { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } ( المجادلة : 21 ) .

·   الحرص الشديد على تحقق الانسجام التام بين العقيدة والشريعة من جهة، وبين مناهج وأساليب العمل والمواقف من جهة ثانية، والتدقيق في تأثير المواقف على الواقع، وعدم الاكتفاء بحسن النوايا والتعويل عليها، وذلك بالنظر إلى خطورة النتائج على حقوق الناس ومصالحهم، وتجنب الطغيان وتجاوز الحدود التي يرسمها العقل والدين والضمير للإنسان في السلوك والمواقف والعلاقات مع الغير .

·        نظم أمرنا والحرص الشديد على حسن القيادة وتوحيد الصفوف، والجد في الطلب .

 

أكتفي بهذا المقدار

واعتذر عن كل خطأ أو تقصير

واستغفر الله الكريم الرحيم لي ولكم

وأسأل الرحمة والمغفرة لشهدائنا الأبرار

واستودعكم الله الحافظ القادر من كل سوء

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .