» رسالة الوصايا الثلاث للأستاذ عبد الوهاب حسين  » التحالف من أجل الجمهورية : بيان التطورات  » كلمة للأستاذ عبد الوهاب حسين على منصة ميدان الشهداء ( دوار اللؤلؤة )  » مداخلة الأستاذ عبد الوهاب حسين في الندوة المشتركة  » رسالة الود والرحمة من الأستاذ عبد الوهاب حسين إلى شعب البحرين  » بيان مشترك :موقف "التحالف من أجل الجمهورية" من تحركات مجموعات شباب 14 فبراير  » تنبيه من الأستاذ عبد الوهاب حسين  » مداخل للأستاذ عبد الوهاب حسين  » رسالة قصيرة للأستاذ عبد الوهاب حسين  » كلمة الأستاذ عبد الوهاب حسين في دوار الشهداء  



12/09/2008م - 10:42 ص | عدد القراء: 1953



ليلى ،،
يا سبحان الخالق ،،
فتاة في غاية الحسن والرشاقة والجمال ،،
كالمها في رشاقتها وجمال عيونها ،،
وجهها مستدير وضاء كالقمر ،،
تغري بحسنها ورشاقتها جميع الشباب ،،
فكل شاب في الدنيا يتمنى الاقتران بها والزواج منها ،،
وقد جمعت الجمال كله :
جمال الصورة ،،


وجمال العقل ،،
وجمال الدين والأخلاق والمعاملة ،،
هكذا يتصورها كل من يجلس إليها من البشر .
ليلى في العشرين من عمرها ،،
تعيش في عائلة قد طرأ عليها الفقر والحرمان ،،
حتى أنها أصبحت لا تجد قوت يومها أحيانا .
أسرة ليلى لا تحصل على حاجاتها الأساسية ،،
كما هو حال الكثير من الأسر في بلادي ،،
فهي لا تحصل على الغذاء الصحي الكافي ،،
وكثيرا ما تفوت العائلة بعض الوجبات الثلاث الرئيسية في اليوم ،،
وكثيرا ما تفتقر الوجبات إلى بعض العناصر الرئيسية المطلوب توفرها في الغذاء الصحي للإنسان ،،
وهذا هو حال الكثير من العائلات في بلادي .
ليلى لا تحصل على ما تفكر فيه كل فتاة جميلة وتتطلع إليه من اللباس الذي يتناسب مع جمالها وروعتها ،،
وكثيرا ما تنظر ليلى في المرآة وتقارن بين لباسها وجمالها ،،
وتشعر بالغضب والحنق الشديدين على الذين تسببوا في حرمانها من حقوقها الطبيعية في الحياة .
لم يكن هذا حال ليلى وأسرتها قبل خمس سنوات ،،
فقد طرأ الفقر والحرمان على عائلة ليلى فجأة وبدون مقدمات .
تحشر ليلى في غرفة صغيرة مع أخويها : إبراهيم وفاضل ، ومع أختها : فضة ،،
وفي غرفة أخرى تحشر أربع أخوات ، هن : خديجة ، وزهراء ، وفاطمة ، وعلياء ،،
فضة أصغر أخواتها ، وفاضل وإبراهيم أصغر أفراد العائلة ،،
ومعدل الفارق في العمر بين جميع الأخوة والأخوات سنتين تقريبا .
عائلة ليلى أصبحت عائلة مسكينة بكل مسكون الكلمة ،،
محرومة من حقوقها الطبيعية في الحياة ،،
من حقها في الحياة الكريمة ،،
ومن حقها في التعليم ،،
ومن حقها في السكن ،،
ومن غيرها من الحقوق الطبيعية الأساسية في الحياة ،،
كما هو حال الكثير .. الكثير من العائلات في بلادي .
هم ضحايا للظلم والجشع والفساد والاستبداد والتمييز ،،
ضحايا لمن سرق اللقمة من فمهم ،،
وسرق الثوب من على أجسادهم ،،
وسرق الأرض التي تقلهم ،،
وسرق السقف الذي يظلهم ،،
ويتغذى كل يوم بلحومهم ودمائهم ،،
ويسكر على دماء الضحايا وعرقهم ،،
ولو وجد السبيل لسرقة الهواء الذي يستنشقه الناس في بلادي ،،
وأشعة الشمس التي تبعث في الأرض الحياة ،،
لفعل ولم يتردد ،،
فقد أستولى عليه الجشع والشيطان .
************
والد ليلى هو الحاج محمود ،،
وهو إنسان صالح بكل معنى الكلمة ،،
يصلي جميع الفرائض اليومية في المسجد ،،
يصليها جماعة بإمامة الشيح صالح ،،
شيخ القرية ،،
وإمام جمعتها وجماعتها .
الحاج محمود لم يصل إلى الخمسين من عمره ،،
لكن رأسه قد اشتعل شيبا ،،
وأصبح كالقطن ،،
وهو يحتاج إلى العكاز ليتكأ عليه في قيامه ومشيه في بعض الأوقات ،،
لكن ذكر لا إله إلا لله ، والحمد لله ، لا يغيبا عن شفتيه أبدا ،،
فقلبه عامر بالصدق والإيمان ،،
ونفسه طاهرة كماء النهر الجاري ،،
صافية كالزلال ،،
ورغم فقره ،،
إلا أنه محمود الذكر بين جميع أبناء القرية ،،
لصدقه وإيمانه ،،
ولطهارة نفسه ،،
ولحسن أخلاقه ،،
ولمعاملته الراقية جدا مع جميع الناس ،،
مؤمنهم وفاسقهم ،،
ولأياديه البيضاء على الفقراء والمحتاجين وكافة أبناء القرية ،،
في أيام غناه ،،
وهو محترم جدا لدى أفراد عائلته .
لقد أحيل الحاج محمود على التقاعد المبكر ،،
على غير رغبته وإرادته ،،
لقد كان فنيا مسؤولا في الاتصالات ،،
وكان ممتازا بارعا في عمله ،،
يؤديه بكل أمانة وإخلاص ،،
وقبل ذلك كان متفوقا في دراسته ،،
ويوم أحيل على التقاعد المبكر ،،
كان بكامل صحته ،،
ليست به علة ولا مرض في جسده ،،
ولم يرتكب جرما أو خطأ في عمله ،،
بل كان يحصل على تقدير ممتاز في أدائه الوظيفي ،،
ولديه الكثير من شهادات التقدير ،،
ولم تشفع له ،،
فقد قررت إدارة شركة الاتصالات إحالته على التقاعد المبكر ،،
بنسبة أقل من 50% من راتبه الأساسي ،،
لماذا ؟
لأنها تريد بتوصية من جهات عليا توظيف أحد المجنسين مكانه ،،
فهل جزاء الإحسان إلا الإساءة ،،
وهل يكافأ المتفوقون والمتميزون إلا بالتعسف والحرمان في شريعة بلادي في ظل التمييز ،،
ولا حول ولا قوة للحاج محمود وغيره أمام سيف الظلم والتمييز إلا بالله العلي العظيم .
وقد سعى الحاج محمود بعد إحالته على التقاعد المبكر بجد للحصول على وظيفة لكي يلبي حاجات عائلته المكونة من عشرة أفراد ،،
ولكن هيهات ،،
فجحافل العاطلين تملأ فضاء الوزارة ،،
ليس لعدم توفر فرص العمل ،،
وإنما لوجود القرار السياسي لإفقارهم ،،
فنسبة القوة العاملة الأجنبية في سوق العمل المحلية تفوق ثلاثة أضعاف العاطلين عن العمل ،،
والعمل في بعض وزارات ومؤسسات الدولة حكرا على أبناء طائفة دون أبناء طائفة أخرى من المواطنين في بلادي ،،
وأعداد المجنسين يزداد يوما بعد يوم ،،
تريد السلطة أن تجعل التجنيس بمعدل خمسين ألف مجنس كل عام ،،
لماذا ؟
لأنها تريد أن تغير ميزان القوة البشرية ،،
بدلا من التفكير في حل مشاكل المواطنين ،،
فلا هم لها غير الامتيازات في السلطة المطلقة ،،
وهي تغذي شجرة الفتنة الطائفية بالفكر والممارسة ،،
فتقتل طائفة وتستحيي طائفة من المواطنين ،،
فلا عبرة لديها بالمواطنة .
وجميع المجنسين يحصلون على الوظائف المدنية والعسكرية ،،
وبرواتب مناسبة يحلم بها بعض المواطنين فلا يجدونها ،،
كما يحصل المجنسون على جميع خدمات الدولة ،،
وفي مقدمتها خدمة الإسكان ،،
فهم يحصلون عليها في زمن قياسي ،،
قد يكون في أقل من عام ،،
بينما ينتظرها بعض المواطنين لعقد ونصف من الزمان أو يزيد ،،
وقد لا يحصلون عليها أبدا ،،
وهم يعيشون في غرف مكتظة بساكنيها كما تكتظ الحظائر بالخراف ،،
وبعض المساكن ليست أحسن حالا من الحظائر ،،
بل حظائر خراف بعض القائمين على السلطة ،،
أحسن حالا من مساكن الكثير من المواطنين .
وهكذا يظل بعض أبناء الوطن عاطلون عن العمل ،،
ومحرمون من الخدمات الأساسية ،،
بينما يتنعم المجنسون والأجانب بخيرات بلادي .
كان قلب الحاج محمود يتفطر لمنظر الشباب العاطلين عن العمل ،،
وكان يحتال ليستر دموعه التي تسقط بين الحين والآخر على خديه رغما عنه في وزارة العمل ،،
لم يكن يبكي لأجل نفسه ،،
ولا لأجل عائلته ،،
وإنما كان يبكي لأجل الشباب العاطلين عن العمل ،،
ولأجل وطنه المذبوح على خشبة الامتيازات المطلقة والتمييز بين المواطنين ،،
فهو يرى طموحات الشباب تتبخر على لظى الظلم والدكتاتورية والأستبداد والاضطهاد والتمييز ،،
وزهرة شبابهم تذبل في صيف تاريخ بلادي ،،
وأحلامهم تطير في الهواء الملوث بسموم الحقد على الإنسان ،،
لتموت ،،
وهم يزدادون كل يوم حنقا وقهرا ،،
بل يزدادون كل ساعة حنقا وقهرا ،،
لأن مظلة حكومة بلادي تظلل المجنسين والأجانب ،،
وتسعى لتوفير مستلزمات الحياة لهم ،،
لكي تقنعهم بالبقاء في بلادي ،،
بغير حق ولا استحقاق ،،
وأبناء الوطن المظلومين ،،
تظلهم المحن والمصائب ،،
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية وغيرها ،،
وقد أصبح الوطن في ظل إدارة هذه الحكومة في مهب الرياح ،،
بكل معنى الكلمة .
************
تربت ليلى في بيت والدها تربية صالحة على أساس العلم والإيمان والفضيلة ،،
وكانت تحظى بما يليق بها من الاحترام والتقدير ،،
فكانت أصيلة في بيئتها .
كانت ليلى قد تخرجت من الثانوية العامة بتفوق ،،
بتقدير ممتاز ،،
لقد جاهدت وانتصرت بدعم والديها على صعوبات الحرمان ووعورة الطريق ،،
لكي تتفوق في دراستها ،،
وحصلت على معدل 94 % ،،
في القسم العلمي .
كانت تسعى لتأمين مستقبل أفضل لنفسها ولعائلتها ،،
وكانت تملك الصبر والإرادة والطموح ،،
إلا أنها لا تملك ما يمنع سيف الظلم والتمييز من أن يقع على رأسها ،،
كما وقع على رأس أبيها من قبل ،،
ولا يزال يقع كل يوم على رؤوس من لا يعلم عددهم إلا الله عز وجل من الأبرياء المظلومين ،،
من أجل السلطة لدى القائمين عليها ،،
وتحت تأثير الأنانية والخوف والطمع لدى بعض المعاونين ،،
وباسم الدين من الذين امتلأت قلوبهم بالأحقاد الطائفية ،،
فصموا جميعا ،،
وعموا ،،
فلم يبصروا الحق ،،
وضلوا طريق الخير والعدل والفضيلة ،،
وباءوا بغضب من الله على غضب .
لقد حرمت ليلى من حقها في التعليم الجامعي ،،
وحرمت من حقها في الوظيفة ،،
رغم حصولها على أعلى المعدلات في الدراسة ،،
ورغم جهادها المستميت للحصول على الوظيفة ،،
وبقيت ليلى حبيسة البيت ،،
تجر أثواب الخيبة ،،
وتندب حظها العاثر في ظل حكومتها غير العادلة ،،
التي لا تريد لها أن تتعلم ،،
ولا تريد لها أن تعمل إلا في الرذيلة وفي سلوك الطريق المنحرف ،،
ولا تريد لها أن تبتسم وتضحك في الحياة ،،
وتريد لها أن تكون حبيسة همومها وأحزانها ،،
فلا تريد لصدرها أن ينشرح ،،
ولا لعقلها أن يتفتح ويعمل ،،
ولا لنفسها أن تستقر وتشعر بالراحة والطمأنينة ،،
ولا تريد أن تمنحها الفرصة لالتقاط الأنفاس ،،
لأن حكومة بلادي ،،
حكومة ليست كالحكومات ،،
فإرادتها غير إرادة شعبها ،،
وهواها في غير مصلحتهم ،،
فهي لا تسعى لتسخير إمكانيات الدولة لخدمة المواطنين وراحتهم ،،
كما تفعل الحكومات المتحضرة في العالم ،،
بل تريد لطائفة من أبناء شعبها ،،
أن تجري بدون توقف ،،
وتلهث وراء الحد الأدنى للعيش الكريم فلا تجده ،،
لأنها تريد أن تكسر جناحيها ،،
وتكسر جميع مجاديف إرادتها ،،
لكي لا تمتلك القدرة على التحليق ،،
أو تمتلك القدرة على التغير من واقعها ،،
فما تريده حكومة بلادي لجميع المواطنين :
أن يقفوا بين يديها مواقف العبيد الأذلاء ،،
فمن استعصم ،،
ضربته بدون رحمة أو هوادة .
فهي تضرب المواطنين بعضهم ببعض ،،
وتغذي الفتنة الطائفية بالفكر والممارسة ،،
بخلاف العقل والضمير ،،
وبخلاف أحكام ومباديء الدين الحنيف ،،
وبخلاف مقتضى مصلحة الوطن وأمانة الحكم ،،
وبخلاف مقتضى بناء الدولة وحقوق الإنسان ،،
فقط ،،
لتتربع على كرسي الحكم ،،
وتفرض هيمنتها الكاملة على أبناء الشعب ،،
وتتمتع بالامتيازات المطلقة ،،
وتستأثر بخيرات الوطن ،،
بغير حق ولا استحقاق ،،
في ظل الظلم والدكتاتورية والاستبداد ،،
بالعسكر ،،
والعملاء ،،
والجواسيس ،،
بالمجنسين وتغيير تركيبة السكان ،،
بالإرهاب الفكري والأمني والسياسي ،،
بالتضليل ،،
بالجوع ،،
بالحديد والنار ،،
بأغلال السجون ،،
وما يفصلة الدرزية من القوانين لمصادرة الحقوق والحريات ،،
ويبصم عليها أعضاء البرلمان ،،
الذين يحمدون الله عز وجل على الوجاهة والمال ،،
وخدمة أبناء الشعب بإيصال المكرمات ،،
فهذا أقصى ما يمكن أن يجود به السلطان ،،
الذي في يديه القوة ،،
ومن ورائه أمريكا الشيطان الأكبر ،،
فماذا يفعل الشعب في بلادي ،،
برأيهم ،،
غير قبول المكرمات !!
*************
كانت ليلى نعم العون لأمها ،،
التي هي صورة لها ،،
وكانت تسبق إلى القيام بالأعمال قبل أن تأمرها ،،
وتبادرها بالتحية دائما ،،
وتحسن إليها في الكلام والمعاملة .
لقد تحدى جمال الأم كل عوامل الحرمان ،،
وبقيت صامدة تتحدى بإرادتها وإيمانها ،،
وبوفائها لزوجها وعائلتها ،،
كل نوائب الدهر ،،
وتصاريف الزمان ،،
وقابلت ما يجري عليها ،،
بعين الرضا ،،
والطمأنينة ،،
والتوكل على ربها الرحمن .
قالت الأم لابنتها ليلى في يوم من الأيام ،،
وهي تعاونها في أعمال الطبخ :
يا حبيبتي يا ليلى !!
لا تحزني ،،
ولا تقلقي ،،
فليس لك نصيب في الجامعة ،،
ولا في الوظيفة ،،
ولو كان لك نصيب ،،
لحصلتي عليه ،،
هذه قسمة رب العالمين ،،
لماذا لا تقبلي بقسمة رب العالمين ؟!
قالت ليلي :
أمي !!
أنا مؤمنة برب العالمين سبحانه وتعالى ،،
لكن هذه ليست قسمة رب العالمين ،،
هذا مما يفعله بنا الظالمون !!
قالت الأم وهي تبتسم :
لقد أعطاك الله يا ليلى من الجمال ما يجعل كل شاب في الدنيا يتمنى الزواج منك !!
فلماذا الحزن ؟
ولماذا القلق ؟
سوف يأتيك نصيبك في الحياة قريبا إن شاء الله تعالى .
قالت ليلى :
الجمال يا أمي سلاح ذو حدين ،،
فربما يقتلني هذا السلاح في يوم من الأيام !!
قالت الأم : لا يا ليلى ،،
فأنت تقولين أنك مؤمنة برب العالمين ،،
وأنت والحمد لله كذلك .
قالت ليلى : أسأل الله حسن العاقبة والنجاة من النار .
قالت الأم : اللهم آمين ،،
اللهم إنا نعوذ بك جميعا من النار يا أرحم الراحمين .
************
بعد صلاة المغرب عاد الحاج محمود إلى البيت ،،
وحالا قال لزوجته :
يا أم إبراهيم ،،
سماحة الشيخ صالح يريد زيارتنا هذه الليلة .
قالت الزوجة :
حيى الله سماحة الشيخ صالح ،،
لكن ماذا يريد سماحة الشيخ ؟!
قال الحاج محمود :
همس سماحة الشيخ في إذني بعد الصلاة ، وقال :
أريد زيارتك هذه الليلة في بيتك ،،
قلت له : حياك الله ،،
البيت بيتك يا سماحة الشيخ .
قالت الأم :
إذن ،،
اشتر لنا ما نضيف به سماحة الشيخ .
قال الحاج محمود :
اسأل الله عز وجل أن يعطيني القوة على فعل الخير .
وبعد الساعة الثامنة ،،
حضر الشيخ صالح إلى بيت الحاج محمود ،،
وكان في صحبته أكبر أولاده من الذكور : أحمد .
استقبلهما الحاج محمود بالترحاب والكلمات الطيبة ،،
وأجلسهما في المجلس الذي تغيرت معالمه كثيرا عن الصورة التي كان قد عهدها الشيخ صالح قبل خمس سنوات ،،
قبل أن يحال الحاج محمود على التقاعد المبكر من عمله قسرا .
لم يكن في وسع الحاج محمود رغم حرصه أن يخفي هذه الحقيقة عن عين سماحة الشيخ صالح وغيره ،،
إلا أن الصورة التي طرأت على مجلس الحاج محمود لم تحدث شيئا في نفس الشيخ صالح ،،
فقد مر عليها وكأنه لم يرها .
أما الحاج محمود ،،
فقد حمد الله وشكره ،،
لأن سماحة الشيخ صالح لم يسأله عن تغير معالم المجلس وأحواله ،،
وقد ضغط الحاج محمود كثيرا على نفسه لكي يوفر من الضيافة ما يليق بمقام سماحة الشيخ .
وتحدث الشيخ صالح قائلا :
الإيمان كنز لا يفنى ،،
وقد أعطاك الله يا حاج محمود كثيرا من هذا الكنز العظيم .
قال الحاج محمود :
الحمد لله رب العالمين ،،
وأسأل الله تبارك وتعالى الرضا وحسن العاقبة .
قال الشيخ صالح :
آمنين رب العالمين .
ثم قال :
وهذا ولدي أحمد ،،
لقد عملت كثيرا من أجله ،،
وقد وفقت في ذلك ،،
وهو الآن مسؤول في إدارة الأوقاف ،،
وقد رزقه الله من الخير الكثير ،،
فلديه بيت كبير والحمد لله ،،
ولديه بعض الأعمال التجارية الموفقة ،،
وقد كلمني عن رغبته في الزواج من أكبر بناتك ليلى .
قال الحاج محمود :
نسبكم يا سماحة الشيخ صالح شرف عظيم ،،
ولكن الخيار لها .
فقال الشيخ :
هذا حق من حقوقها ،،
ولكن متى ترد علي الجواب ؟
قال الحاج محمود :
سوف أكلمها الليلة في الموضوع ،،
وأعطيك الجواب بعد صلاة الفجر إن شاء الله تعالى .
قال الشيخ :
موعدنا الصبح إن شاء الله ،،
أليس الصبح بقريب يا أحمد ؟
قال أحمد :
إن الصبح عندي لبعيد !!
فابتسم الحاج محمود ،،
وضحك الشيخ ، وقال :
إن الصبح لناظره لقريب .
واستأذن الشيخ ،،
وقام ،،
وقام معه ولده أحمد ،،
وخرجا من البيت مودعين كما استقبلا بأحسن الكلام وأطيبه .
ودخل الحاج محمود إلى بيته ،،
وكانت زوجته تنتظر دخوله على أحر من الجمر ،،
فمنذ خمس سنوات تقريبا ،،
منذ تقاعد الحاج محمود عن العمل ،،
لم يشرف سماحة الشيخ بيتهم ،،
فقالت أم إبراهيم لزوجها :
خيرا يا أبا إبراهيم ،،
ماذا يريد سماحة الشيخ ؟
قال الحاج محمود :
خيرا إن شاء الله تعالى .
وسألها : أين ليلى ؟
فأجابت : ليلي في حجرتهم .
قال الحاج محمود : ناديها إن سمحتي يا أم إبراهيم .
قالت الزوجة :
بالشوفة يا أبا إبراهيم ،،
وقد قرأت أم إبراهيم الرسالة قبل أن تفتح .
وحضرت ليلى ،،
ولم تكن تعلم عن زيارة الشيخ صالح لبيتهم .
قال الحاج محمود مخاطبا ليلى :
لقد زارنا هذه الليلة الشيخ صالح وولده أحمد .
قالت ليلى :
لم يزورنا الشيخ منذ تقاعدت عن العمل يا أبي .
لم يعقب الحاج محمود على قول ليلى ،،
واستمر في حديثه :
وقد طلب يدك لابنه أحمد .
فقالت ليلى في دهشة :
أحمد ؟!
فقال الحاج محمود :
نعم أحمد .
فقالت ليلى :
أحمد ؟!؟!
وسكتت ؟!؟!
فقال الحاج محمود :
ما به أحمد ؟
فقالت ليلى :
لا شيء يا أبي .
فقالت الأم :
أحمد رجال زين ،،
أبوه سماحة الشيخ صالح ،،
وأحمد بخير وعنده بيت كبير والحمد لله ،،
ماذا تريدين أكثر من هذا يا ليلى ؟!
لقد جاءك نصيبك من السماء فاقبليه .
قالت ليلى وهي تكتم في نفسها شيئا لم تظهره :
الأمر لك يا أبي .
وبعد صلاة الصبح انفرد الشيخ صالح بالحاج محمود وسأله :
ماذا كان جواب ليلى ؟
قال الحاج محمود :
وافقت البنت ،،
فقال الشيخ صالح :
خير البر عاجله ،،
سوف نزورك الليلة ونتفق على كل شيء .
فقال الحاج محمود :
حياكم الله تعالى .
فزارهم الشيخ وولده أحمد حسب الموعد ،،
واتفقوا على المهر ،،
وقد أراد الحاج محمود أن يكون المهر قليلا اقتداء بالسيدة الطاهرة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) سيدة نساء العالمين ،،
إلا أن سماحة الشيخ صالح رفض ،،
وقال :
الخير كثير والحمد لله ،،
واتفقوا على أن يكون العقد والدخول في يوم واحد ،،
وأن يكون ذلك بعد ثلاثة أسابيع ،،
واتفقوا على الأمور التفصيلية الأخرى ذات الصلة بالموضوع .
************
وفي الموعد المحدد ،،
كان العقد والدخول في حفل ضخم ،،
يليق بمقام ابن سماحة الشيخ صالح ،،
وكان أحمد في غاية البهجة والسرور ،،
حيث كان يشعر بالانتصار على أقرانه ،،
لأنه فاز بليلى ،،
وكان يتبجح بذلك ويفتخر ،،
وقد أغدق عليها بالمال والعطايا ،،
وأذاقها طعم لذيذ الحياة ،،
فتمتعت بحياتها في ظله .
وفي الشهور الأول ،،
استمرت على السيرة التي كانت عليها في بيت أبيها ،،
إلا أن أحمد ،،
وفي سبيل التبجح والتباهي ،،
كان يدعوها للحضور مع أصدقائه في مجلسه ،،
وكانت ترفض في أول الأمر ،،
ثم وافقت بعد إلحاحه .
لم يكن حضورها في المجلس من أجل أن تكسب العلم والمعرفة ،،
أو تستفيد من تجارب الحاضرين في الحياة ،،
وإنما كان من أجل أن تضحك كما يضحكون ،،
وتلعب كما يلعبون ،،
وليظهر أحمد فرحه بليلى ،،
وفوزه بها على أقرانه .
وكانت ليلى تضحك كثيرا ،،
لأنهم كانوا يتسابقون في إضحاكها ،،
وكانت في أول الأمر ،،
تكتفي بالحضور والضحك ،،
وكانت ترفض اللعب بالورق والدومنة وغيرهما ،،
ثم قبلت أن تلعب معهم ،،
وكانت تتفوق على أكثرهم ،،
وكان أحمد في غاية السعادة والسرور بذلك .
وفي أول الأمر ،،
لا يكون حضورها في المجلس إلا بحضور أحمد ،،
ثم أصبحت تحضر مع أصدقائه بغيابه ،،
فقد أصبحت فردا من مجموعة الأصدقاء ،،
وهي المرأة الوحيدة في المجموعة ،،
وبعد حين ،،
تطور الأمر أكثر ،،
فأصبحت تذهب لوحدها إلى بيوت الأصدقاء .
والحاج محمود لا يعلم شيئا عن هذا الوضع ،،
فلم ينتهي شيئا عنه إلى مسامعه ،،
ولم يكن يتوقع حصوله ،،
بل هو عنده من المحال ،،
فأحمد هو ابن سماحة الشيخ صالح ،،
وليلى كما عرفها : امرأة عاقلة فاضلة .
***********
أنجبت ليلى لأحمد ابنتين : زهراء ومريم ،،
وهي على هذا الحال مع مجموعة الأصدقاء ،،
ثم ظهرت لأحمد رائحة الخيانة ،،
وأصبح يشك في ارتباط زوجته مع بعض أصدقائه في علاقة غير شرعية ،،
ثم أصبح الشك حقيقة ويقين ،،
فقد اعترفت له ليلى بكل شيء ،،
وحملته المسؤولية الكاملة عنه ،،
فقد قذف بها في تيار جارف ،،
فلم تستطع أقدامها الثبات ،،
وقادها التيار إلى منحدر أسقطها في ود سحيق ،،
فأي يد يمكن أن تصل إليها لتنتشلها ،،
من الوادي السحيق ،،
من المستنقع الذي هوت إليه في ذلك الوادي ؟!
وأدرك أحمد خطأه بعد فوات الأوان ،،
وكانت الحقيقة قد نزلت عليه كالصاعقة ،،
حتى كادت أن تطيح برأسه في الأرض ،،
وقد أدخلت بفداحتها اليأس إلى قلبه ،،
ورأى بأن لا قدرة له على تغييرها .
وكانت أكبر من أن يتحملها ،،
فقرر الانفصال عن ليلى .
وكان قرار الانفصال مرا بالنسبة إلى أحمد ،،
وإلى حد ما بالنسبة إلى ليلى ،،
إلا أن ليلى لم تكن تشعر بالخسارة المادية ،،
فقد أصبحت قادرة على تأمين جميع حاجاتها المادية وزيادة عن طريق أصدقائها الخونة ،،
أما الخسارة المعنوية ،،
فلم تعد ذات قيمة في حساباتها ،،
ولم تعد تكترث بسمعة أبيها ومشاعره ،،
ولا بسمعة عائلتها ،،
فقد تبلدت المشاعر ،،
وقتلت الأموال الإحساس والضمير ،،
وأصبحت ليلى في واقع قد جعل بينها وبين التفكير في الفضيلة وفي مشاعر أهلها وسمعتهم حجابا سميكا لا تهده إلا صواعق السماء وإرادة الرب الجليل .
***********
وحصل الانفصال ،،
وانتقلت ليلى إلى شقة خاصة بها ،،
تستقبل فيها أصدقاءها الخونة المعهودين ،،
وظهرت الحقيقة للحاج محمود فجأة ،،
ورآها كما يرى الشمس في كبد النهار ،،
فلم تترك له فسحة في الحياة لأكثر من ثلاثة أيام ،،
مضى بعدها إلى ربه الرجيم ،،
مهموما ،،
شاكيا جور الحكام وأهل الزمان ،،
ولم تحضر ليلى بطبيعة الحال عزاء أبيها .
أما أحمد : فقد أزالت الحقيقة الغشاوة كلها عن عينيه ،،
فابتعد عن جميع أصدقائه السابقين ،،
أصدقاء السوء والرذيلة والخيانة ،،
وعاد إلى ربه تائبا ،،
وأصبح من رواد المسجد الدائمين ،،
ولكن ليس في المسجد الذي يصلي فيه والده ،،
وامتنع عن الزواج ،،
رغم نجاحه في استعادة الثقة لنفسه من مجتمعه ،،
وقد احتفظ ببنتيه : زهراء ، ومريم ،،
ومنع رؤيتهما لوالدتهما خوفا عليهن من شرها .
كان عمر زهراء : خمس سنوات ،،
وعمر مريم : ثلاث سنوات ،،
وكان أحمد مطمئنا أنهن من صلبه ،،
فهن تشبهانه ،،
وأن خيانة ليلى جاءت بحسب اعترافها بعد إنجابها لمريم بشهور ،،
وكانت بدايتها مع أحد أصدقاء السوء لأحمد ،،
أثناء غيابه في الخارج لبعض شؤون تجارته ،،
وفوق فراشه ،،
حيث كانت الأجواء مهيأة بسقوط الكلفة والحواجز بين الأصدقاء ،،
ولم يكن الرجل في حاجة لأكثر من الجرأة لخلع ثياب الحياء ،،
فخطط وقدر ،،
وأعانته على نفسها ،،
تحت بريق الذهب والمال ،،
فأضحكها بخبث ،،
وكان جريئا وسافلا ،،
فكان يلمس جسدها بين الحين والآخر ،،
ثم قبلها ،،
وواصل حتى بلغ الشيطان أمنيته ،،
وانفتح الباب على الرذيلة ،،
فقد أصبحت الجوهرة بالجواهر ،،
في اليد ،،
وتحت الطلب ،،
ولكن لكل شيء ثمنه ،،
فقد أجادت اللعبة كما أجادوا وأكثر ،،
ولم يكونوا أكثر جرأة منها ،،
ولا أشطر ،،
في مزرعة الشيطان ،،
وتجارة إبليس .
لقد أدرك احمد خطاه ،،
ولكن بعد فوات الأوان ،،
وكان يشعر بالذنب ،،
لأنه تسبب في فساد ليلى وانحرافها ،،
ونقلها بسوء تفكيره وبسوء تصرفه ،،
ولثقته العمياء في أصدقاء السوء ،،
التي لم تكن في مكانها ،،
من الصلاح والفضيلة الذين كانت عليهما في بيت أبيها وتحت ظله ،،
إلى الفساد والرذيلة الذين لحقا بها في بيته وتحت ظله غير الظليل ،،
فقد قذف بها بين أسماك القرش ،،
والذئاب الضارية ،،
وأحي فيها النفس الأمارة بالسوء ،،
بعد أن قتلتها التربية الصالحة في بيت أبيها .
وكان يعتقد بأنه السبب في وفاة العبد الصالح الحاج محمود ،،
والد ليلى ،،
والذي لم تحصل له الجرأة لحضور مجلس عزائه .
وقد غطت وجه أحمد سحابة من الحزن لا تفارقه ،،
وكثيرا ما تغرورق عيناه بالدموع ،،
لاسيما في خلواته مع نفسه يحاسبها ،،
وفي مناجاته مع ربه .
ولم يكن حاقدا على ليلى ،،
وإنما كان نادما وحزينا من أجلها ،،
ويتمنى لو أنه يستطيع أن يفعل شيئا من أجل هدايتها ،،
ولكنه كان يعتقد بأن ذلك أصبح في عداد المستحيل ،،
وكثيرا ما كان يسأل الله عز وجل لها الهداية والتوبة والعودة إلى الطريق المستقيم ،،
ولنفسه الغفران من الذنب .
أما ليلى ،،
فكانت تتحسر لعدم رؤيتها لبنتيها : مريم وزهراء ،،
إلا أنها لم تجعل من ذلك قضية كبيرة ،،
ولم تسعى للحصول على حضانتهما في القضاء ،،
لأنها كانت تعرف النتيجة التي سوف تصدر عن القضاء لو أنها لجأت إليه ،،
فالقضاء في جيب أحمد ،،
وأنها تعرف حقيقة نفسها ،،
وربما اعتقدت : بأن ذلك أحفظ لهن من شرها .
فكانت تمارس حياتها بصورة طبيعية ،،
وكأنها تحلم ،،
فلم تكن تشعر بالأسف ،،
أو بالذنب وتأنيب الضمير ،،
لما دخلت فيه من الرذيلة ،،
وخالفت فيه الدين والأخلاق ،،
وخالفت عادات المجتمع وتقاليده ،،
فقد شغلها سكر الطبيعة عن الإحساس بفضيحتها ،،
وأنستها الثروة والمال وزخارف الحياة أمر عاقبتها ،،
فأصبحت في زمرة حزب الشيطان الرجيم .
وبعد حين من زمن أنفصال ليلى عن أحمد ،،
في حدود العام تقريبا ،،
دخل الضابط خالد في زمرة أصدقاء ليلى ،،
وقد نجح في الاستئثار بها دونهم ،،
فقد استهواها ،،
وكان خيارها المفضل ،،
ونجح في منع جميع أفراد الزمرة عنها ،،
فلم يجرأ أحد على الاقتراب منها ،،
رغم أنها لم تتوقف عن ابتزازهم ،،
والحصول على ما تريده منهم .
وقد وفر لها خالد ،،
جميع حاجاتها المادية ،،
ووفر لها شيئا ما من الاستقرار النفسي .
************
وكانت ليلى قد ابتعدت في ظل واقعها الجديد عن مجتمعها ،،
ولم تعد تحضر المأتم ،،
ولكن في هذا العام ،،
في أيام المحرم ،،
وبصورة مفاجئة ،،
وبينما هي جالسة لوحدها في شقتها ،،
حيث تعودت بعد التعرف على خالد ،،
البقاء أكثر في شقتها ،،
حنت إلى المأتم ومجالس العزاء ،،
ولم تعرف مصدر هذا الحنين ،،
فتمنت لو أنها تستطيع الذهاب فعلا إلى المأتم ،،
فهذا هو صباح اليوم التاسع من المحرم ،،
إلا أن الذهاب إلى المأتم ،،
قد أصبح أثقل عليها من حمل الجبال الراسي ،،
فلاذت بالمحطات الفضائية ،،
فكانت أولا محطة المنار ،،
ثم محطة الفرات ،،
ووقفت عندها ،،
رأت في محطة الفرات مواكب العزاء ،،
ورأت المشاهد المشرفة في كربلاء والنجف وسمراء وبغداد ،،
بكت بغير إرادتها ،،
فقد أشرقت شمس الإمام الحسين ( عليه السلام ) على قلبها من كوة الجدار ،،
فأضاء ،،
وارتفع الحجاب ،،
وكشف الغطاء ،،
وشعرت وكأن شيئا ما يغسل قلبها ،،
بماء الرحمة .
وتذكرت فجأة والدها ،،
وبكت لأول مرة من أجله ،،
وسألت نفسها : أين كنت وأين أنا الآن ؟!
ماذا فعلت بنفسي وبوالدي وأهلي ؟
أين ابنتي : مريم وزهراء ؟
تمنت لو أنها تستطيع رؤيتهم جميعا الآن ،،
لم تراهم منذ سنتين تقريبا .
أغلقت التلفاز ،،
وذهبت إلى فراشها ،،
استلقت على ظهرها ،،
وتحرك شريط الذكريات في ذهنها ،،
تذكرت وضعها قبل الزواج من أحمد ،،
وعطف أبيها عليها وعلى إخوانها وأخواتها ،،
كان يظلهم جميعا بظله الظليل ،،
فلم يصلهم من أحد مكروه ،،
رغم نوائب الدهر وتصاريف الزمان .
كانوا جميعا في حصنه الحصين ،،
يؤويهم إلى صدره ،،
ويسقيهم من أحداق عينيه ،،
ويطعمهم من مهجة فؤاده ،،
فكانوا يصبحون ويمسون ،،
على الطاعة والبعد عن المعصية .
وقالت في نفسها :
لقد كان أبي رجلا صالحا بكل معنى الكلمة ،،
كان نعم الأب لنا ،،
ونعم الزوج لأمي ،،
فرغم كل المحن التي ألمت به ،،
إلا أنه كان قويا ،،
فلم يتغير مزاجه معنا ،،
وبكت من أجله ثانية ،،
وشعرت بالذنب من أجله ،،
واعتقدت بأنها كانت السبب وراء وفاته ،،
فلم يكن بين طلاقها من أحمد ووفاته سوى ثلاثة أيام ،،
لم يكن مريضا ،،
وإنما أنهد ركنه ،،
وأنهدت جميع قواه لما ظهورت له حقيقتها ،،
وعرف ما انتهى إليه أمرها ،،
الأمر الذي لم يكن يتوقعه ،،
وكان في تقديره من المحال ،،
ثم إنها لم تحضر مجلس العزاء عليه .
تمنت لو أنها لم تخلق ،،
أو أنها ماتت قبل ذلك اليوم ،،
فكانت نسيا منسيا ،،
ثم قالت : هذا قضاء ربي العادل الرحيم .
وقالت كلمة لم تقلها منذ سنوات عديدة :
استغفر الله ربي وأتوب إليه ،،
ربي ظلمت نفسي فأغفر لي .
ثم تذكرت وضعها في عش الزوجية مع أحمد ،،
والطريق الذي انزلقت فيه إلى الرذيلة ،،
وسألت نفسها :
لماذا وافقت على الزواج من أحمد ؟
لقد كنت أعرف عنه ما لم يكن والداي يعرفانه عنه ،،
لماذا لم أصارحهما بما كنت أعرفه عن أحمد ؟
كانت تجب علي مصارحتهما بحقيقة أحمد ،،
إلا أن ثروة أحمد ،،
وفقر والدي ،،
ورغبتي في تخفيف الأعباء عنه ،،
وتقديري لصعوبة إقناع والداي بحقيقة أحمد ،،
فهو ابن سماحة الشيخ صالح ،،
وكفى ،،
ولرغبتي الشديدة في الخروج من الفقر والحرمان ،،
والتمتع بالحياة ،،
كل ذلك قد حملني على الصمت ،،
وعدم مصارحة والداي بما كنت أعرفه عن احمد ،،
وها أنا اليوم أدفع الثمن غاليا ،،
فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وجاء نداء صلاة الظهر ،،
وسمعته بأذن صاغية ،،
وكأنها تسمعه لأول مرة ،،
فقامت وتوضأت ،،
وأدت فريضتي الظهر والعصر ،،
وكانت قد تركت الصلاة منذ انفصلت عن احمد ،،
وفي هذا اليوم :
كانت تأتيها نوبات البكاء بين الحين والآخر ،،
في الصلاة وخارجها .
وعند الساعة الثالثة بعد الظهر ،،
قرع الضابط خالد الجرس ،،
فتحت الباب ،،
وقالت له : تفضل ،،
رأى خالد على وجهها مسحة الحزن والتأثر ،،
ولم يكن قد رأي عليها ذلك منذ عرفها ،،
سألها عن حالها ،،
فقالت : الحمد لله رب العالمين ،،
لم تكن هذا الجملة في أجوبتها من قبل ،،
كانت تجيب فيما سبق بكلمة : أوكي ،،
وأحينا تجيب بكلمة : زينة ،،
وتكون كلمتها مصحوبة دائما بابتسامة عريضة ،،
وبحركات الدلال والميوعة والدلع ،،
أما الإجابة بجملة : الحمد لله رب العالمين ،،
فهذه المرة الأولى التي يسمعها منها .
لم تجلس قريبة منه كعادتها ،،
وتحاشت أن يلمس شيء من جسده شيئا من جسدها ،،
إلا أنها لم تشعره بشيء ،،
وجاءت له بكأس من الماء ، وبكوب من الشاي .
جلس خالد متفكرا ،،
ليس هذا هو حال ليلى المعهود ،،
لم يراها أبدا على مثل هذا الحال منذ عرفها ،،
ما الذي حدث لها ،،
سألها ،،
فقالت : لا شيء يا خالد ،،
كانت لديه رغبة جامحة في أن يعرف الجديد في وضع ليلى ،،
فهو شديد التعلق بها ،،
وانه يفضلها في الحقيقة على زوجته هناء ،،
إلا أنه مضطر إلى العودة إلى بيته ،،
فهذا وقت رجوعه من العمل ،،
وأن تأخره سوف يقلق عائلته عليه ،،
فبيت والده إلى جوار بيته ،،
وليس من الصحيح في تقديره الاعتذار إليهم ،،
فقرر الخروج ،،
ووعد ليلى بالعودة إليها في المساء .
ودعته ليلى بأدب واحترام ،،
متحاشية ما تعودت عليه في وداعها له ،،
وقد فسر ذلك بالجديد في حالتها النفسية ،،
واعتبره منطقيا مع حالتها ،،
فلم يثر ذلك شيئا جديدا في نفسه .
وخرج من عندها ،،
وهو يحمل بعض الحزن والأسى من أجلها .
وفي المساء عاد إليها ،،
ولما فتحت الباب ،،
وجد ثيابها محتشمة على غير عادتها ،،
أثار ذلك استغرابه ،،
وأثار الكثير في نفسه ،،
وأثاره أكثر ،،
وقارها على غير عادتها ،،
وجلس في القاعة ،،
ولم يكن التلفاز مفتوحا كالعادة ،،
فلا موسيقى ،،
ولا غناء ،،
ولا مرح ،،
ولا ضحك ،،
وغابت كل المفاتيح التي كانت تستخدمها للدخول إلى نفسه والسيطرة عليه ،،
حتى الابتسامة لم يجدها على شفتيها .
أحضرت له الشاي مع بعض الفواكه ،،
وسألها ما الذي حدث ؟
قالت : خالد أنا أخطأت !!
قال : أخطأتي ؟!
قالت : نعم ،،
قال : مع من ؟
قالت : مع ربي ونفسي وبنتاي وأهلي ،،
قال : ماذا تقولين ؟
قالت : لقد أخطأت مع ربي ونفسي وبنتاي وأهلي ،،
وأجهشت بالبكاء ،،
قال خالد : ليلى !!
قالت : نعم ،،
قال : هل زارك أحد هذا اليوم ؟
قالت : لم يزرني أحد ،،
وإنما أنا زرت إنسانا عظيما في الوجود ،،
قال خالد : من هو ؟
قالت : إنه سيدي الإمام الحسين ( عليه السلام ) ،،
قال خالد : ليلى ماذا دهاك ؟
قالت : ذكر ربي ،،
قال خالد : لا أفهم ماذا تقولين ،،
قالت : لا تستطيع أن تفهم الآن ،،
قال خالد : أكاد أجن ،،
وأخذ يجول بعينيه في ذهول ذات اليمين وذات الشمال وفي سقف القاعة ومحتوياتها ،،
ثم قام إليها ليحضنها ،،
ففرت منه ،،
ناداها : ليلى ،،
قالت له : أرجوك ،،
رمى بنفسه على المقعد ،،
وقال : ليلى !!
هل قصرت عليك بشيء ،،
قالت : لم تقصر علي بشيء ،،
قال : ما الذي حدث ؟
بكت وقالت : أنا لا أعلم بالضبط ما الذي حدث ،،
ولا استطيع أن أشرح لك الذي حدث ،،
ولكن ،،
قال خالد : لكن ماذا يا ليلى ؟
قالت : أفضل أن تذهب الآن وسوف أشرح لك لاحقا ،،
لم يقبل خالد بهذا العرض ،،
وأصر على أن يعرف كل شيء قبل أن يخرج ،،
قالت له : أنا غير مهيأة لأن أشرح لك ،،
وأنت غير مهيأ لأن تفهم ،،
ومضى وقت طويل ،،
ولم يتحرك الحوار بينهما عن مكانه ،،
هو يصر على المعرفة ،،
وهي تقول لا استطيع أن أشرح لك ،،
ونزل خالد في النهاية عند رغبتها ،،
وخرج شبه مكره من عندها ،،
وهو يشعر بأن حلمه مع ليلى قد يطير ،،
وتصور أن هذا أمر غير معقول ،،
وقال بصوت وإصرار :
لا ،،
لن استسلم ،،
لن أسمح بأن أخسر ليلى ،،
وأخذ يفكر :
ليلى مصدر راحتي وسعادتي في الحياة ،،
لقد قدمت إليها من الهدايا ما لم أقدمه إلى أحد غيرها ،،
ولم أمنع عنها شيئا أستطيع تقديمه إليها ،،
وأعطيتها من نفسي ما لم اعطه لزوجتي هناء ،،
ولا غرابة ،،
فأنا لا أجد الراحة عند امرأة كما أجدها عند ليلى ،،
ولهذا فأنا أفضلها على زوجتي هناء ،،
في الفراش ،،
وفي كل شيء ،،
لقد كانت لي بمثابة الحلم ،،
لقد وجدت ضالتي فيها ،،
ثم عاد وقال بصوت مرتفع وهو يقود سيارته متوجها إلى بيته وقد أصبح قريبا منه :
لا لن أقبل بأن أخسر ليلى ،،
فهي بالنسبة لي كل شيء .
**********
بعد خروج خالد بدأت ليلى تفتش عن شيء هجرته من زمن بعيد ،،
إلا أنها متأكدة بأنها تحتفظ به في مكان ما في شقتها ،،
بحثت عنه فوجدته ،،
إنه كتاب مفاتيح الجنان ،،
أخذت الكتاب وقبلته ومسحت به وجهها ،،
وبكت ،،
ثم جلست متوجهة نحو كربلاء ،،
وفتحت على زيارة عاشوراء ،،
فقرأتها وهي تبكي ،،
وتذكرت بذلك أيامها في بيت والدها .
وبعد زيارة عاشوراء ،،
عادت وفتحت التلفاز على قناة الفرات ،،
وعاشت مع التلفاز ذكرى عاشوراء بصورة لم تعشها من قبل .
وفي وقت متأخر من الليل لاذت بفراشها ،،
إلا أنها لم تستطع النوم ،،
فقد كانت تسبح في بحر متلاطم من الذكريات ،،
تقذف بها ذات اليمين وذات الشمال ،،
إلا أنها لم تفقد بوصلة تفكيرها ،،
فكانت تفكر بعمق وتركيز ،،
وتهتدي بطريق صحيحة إلى الدروس والعبر .
وعند الفجر سمعت الأذان ،،
فهاج عليها الشوق والحزن ،،
وقامت وصلت ،،
وعقبت ببعض الأدعية من كتاب مفاتيح الجنان ،،
وهي تبكي ،،
وشعورها وكأن الدموع تغسل نفسها وقلبها ،،
وتخرج منهما بعفن الذنوب ،،
العفن الذي آذى نفسها لسنوات عديدة .
ثم عادت إلى فراشها ،،
ونامت وكان ذلك في صباح اليوم العاشر من محرم ،،
وصحت على أذان الظهر ،،
فقامت لصلاة الظهر والعصر ،،
وعادات إلى فراشها ،،
ولم تأكل شيئا ،،
ونامت حتى أذان المغرب ،،
وقامت من فراشها على صوت الأذان ،،
وهي تردد ذكر : اللهم صلى على محمد وآل محمد ،،
ربي ظلمت نفسي فأغفر لي ،،
والأخيرة أحد فقرات دعاء كميل ،،
الذي كانت تداوم على قراءته كل ليلة جمعة ،،
قبل زواجها من احمد ،،
وفي الشهور الأولى بعد زواجها منه ،،
إلا أن معنى هذه الكلمات اليوم ،،
هي أكثر وضوحا في ذهنها ،،
وأكثر لذة روحية في قلبها ،،
وهي اليوم أكثر رغبة في تكرارها ،،
وأنها تشعر وكأن هذه الكلمات وحيا قد نزل عليها من السماء .
وكانت ليلى حين قامت من فراشها تشعر بالجوع ،،
إلا أنها فضلت الصلاة على الطعام ،،
فتوضأت وصلت صلاة المغرب والعشاء ،،
في خشوع لم تعرفه من قبل ،،
ثم ذهبت إلى المطبخ واكتفت بأكل فاكهة قليلة ،،
وشربت قليلا من الماء ،،
وبكت .
وبعد ساعة تقريب ،،
جاء خالد ،،
وفي هذه المرة ،،
رآها متحجبة ،،
وفي كامل حشمتها ،،
قال لها : ليلى !!
ماذا أرى ؟
لا أصدق ما أرى !!
وكان خالد بين الدهشة والخوف من خسارته ليلى ،،
وقد فقد الكثير من شجاعته في مواجهتها ،،
فلم يقسو عليها ،،
ولم تكن من عادته القسوة عليها ،،
وقد شعرت هي بذلك ،،
مما جعل جو اللقاء هادئا ،،
وأعطاها الشجاعة لقول الحقيقة ،،
شرحت له :
كيف شعرت فجأة بالحنين إلى المأتم الذي فارقته منذ زمن بعيد ،،
ثم شرحت له تجربتها مع محطتي المنار والفرات ،،
وشريط الذكريات الذي مر بذهنها فوق الفراش ،،
وأكدت له بأنها اتخذت خيارها بالتوبة ،،
وأن لا عودة لها عن هذا الخيار ،،
فقد ذبح ملك القلوب ،،
نفسها الأمارة بالسوء بشفرة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ،،
وأسكن قلبها عشق المولى تبارك وتعالى ،،
وأنها تشعر ،،
بأنها تملك قوة الحياة في نفسها .
حاول أن يقنعها ،،
فلم يستطع ،،
ثم سألها بحرقة :
وأنا ؟
قالت له : أمامك خيار واحد ،،
قال : وما هو ؟
قالت : خيار الله ،،
قال : الزواج ؟!
قالت : نعم ،،
قال : هذا مستحيل ،،
قالت : ولماذا ؟
قال : إذا تزوجتك أفقد عملي وأهلي ،،
فأنا ضابط في الجيش برتبة عقيد ،،
والقيادة لا تسمح بزواجي منك ،،
وأهلي أيضا لا يسمحون ،،
فأنت على مذهب غير مذهبنا .
قالت : لا خيار غير ما اختاره الله عز وجل ،،
فإن شئت ،،
وإلا فهذا فراق بيني وبينك .
قال : ألهذا الحد يا ليلى ؟
قالت : نعم ،،
ولا رجوع عن هذا الخيار حتى الموت .
قال خالد : هل نسيتي حبي لك ،،
وكل ما قدمته لك خلال عام كامل ؟
لقد أعطيتك خلال هذا العام أكثر مما أعطيته لعائلتي !!
قالت : لم أنس ،،
ولكن الله عز وجل أحب وأولى .
فلما وجد منها العزم والإصرار عرض عليها الزواج بالسر ،،
قالت : أفكر في هذا الموضوع .
وخرج خالد من عندها على هذا الأساس ،،
واكتفت عند توديعه بالكلام الطيب ،،
إلا أنها رفضت مصافحته باليد ،،
فضلا عن تقبيله لها ومعانقتها ،،
وقال لها قبل أن يخرج : لا تنسي يا ليلى ،،
فأنت بالنسبة لي لست شيئا عاديا ،،
فكما تعلمين : أنا أفضلك على زوجتي هناء .
شكرته على عواطفه ،،
ولم تسعى لإطالة الحديث معه عند وداعه ،،
وعلى غير عادتها ،،
لم تتبادل معه كلمات الإعجاب والإطراء والمداعبة عند الوداع ،،
ووصاها بنفسها ،،
وقال لها في حسرة :
لا تنسى يا ليلى الأيام الجميلة التي قضيناها معا .
فقالت : يفعل الله ما يريد ،،
فلم يبد ارتياحا لهذا الجواب ،،
وخرج من عندها وهو يشعر بأنه يكاد يفقد كنزه الثمين الذي وجده قبل عام ،،
أو يفقد طير أحلامه السعيدة .
************
وبعد أن خرج خالد ،،
فكرت ليلى فيما ينبغي عليها عمله ،،
وكيف عليها أن تتصرف ،،
ووجدت بأن عليها أن تستعين بشخص لينير لها الطريق المظلم ،،
ويعينها على تجاوز المنعطف الحاد فوق الجبال الوعرة من تحتها الوادي السحيق ،،
ويثبتها على خيارها الجديد ،،
ويربط حزام السلامة في وسطها ،،
لكي لا تزل وتضيع من جديد .
فاهتدت للاتصال بابن عمتها جابر ،،
وقالت لنفسها :
جابر شاب مؤمن ومثقف وواعي جدا ،،
وهو معدن أصيل وطيب ،،
وأظن أنه أحسن من يفهمني ،،
وأحسن من يرشدني إلى الشخص الذي ينبغي علي الرجوع إليه ،، لمساعدتي في مواجهة الظروف الصعبة والتغلب على الصعوبات التي تقف في وجهي ،،
والخروج سالمة من هذا الطريق ،،
فله معرفة وعلاقات واسعة بالمؤمنين ،،
بحسب معرفتها به ،،
يوم كانت في بيت أبيها .
ووجدت بأن لا خيار أمامها إلا الاتصال به ،،
فاتخذت قرارها بالاتصال ،،
وعزمت على تنفيذه ،،
فبحثت عن رقم هاتفه في الدليل فوجدته ،،
فشكرت الله عز وجل ، وقالت : هذا أول التوفيق ،،
ونفذت الاتصال ،،
فلما أجابها ، حيته بتحية الإسلام ،،
السلام عليكم ،،
فرد عليها التحية بأحسن منها ،،
عليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته ،،
وكان الرد على التحية بأحسن منها من جابر ، رغم عدم معرفته بها ، رسالة تطمين بعثها الله عز وجل إلى قلبها ،،
ثم سألها في هدوء : من المتحدثة ؟
أجابت : بنت خالك ليلى ،،
سأل مرة ثانية بتعجب : من ؟
أجابت : بنت خالك ليلى ،،
قال في حزم : ماذا تريدين ،،
قالت : أريد مساعدتك لي ،،
قال : في أي شيء ؟
قالت : أريد أن أراك لأشرح لك ،،
سكت برهة من الزمن ،،
فقالت ولم تنتظر جوابه : أرجوك يا جابر !!
فقال في حزم مرة ثانية : ماذا تريدين ؟
قالت : لا أستطيع أن أشرح لك في الهاتف ،،
يجب أن أراك ،،
أرجوك لا تتردد .
وكانت نبرات صوتها تتدفق عبر الأثير ،،
تحملها ملائكة السماء إلى مسامعه ،،
فشعر بجديتها وصدقها ،،
فقال : متى ؟
قالت : في أسرع وقت ،،
وأفضل أن يكون الساعة !!
قال في تعجب : الساعة ؟
قالت : نعم .
قال : وأين ؟
قالت : الأمر لك : إن شئت أن تحضر عندي في الشقة فهذا أفضل ، وإن شئت أن آتي إلى بيتك فلا مانع لدي ،،
قال : سوف أحضر عندك ،،
وسوف تكون معي أبنتي فاطمة ،،
فاطمة : عمرها ثلاث سنوات ،،
وأخذ عنوان الشقة ، وذهب إليها .
فلما قرع الجرس ،،
خرجت له وهي متحجبة وفي لباس محتشم ،،
وهي غير الصورة التي كان يراها عليها من بعيد صدفة في بعض الأحيان ،،
تعجب ،،
إلا أنه شعر بالسرور والراحة في داخل نفسه ،،
واحتفظ بذلك في نفسه ولم يبده لها ،،
وكانت هذه الصورة بمثابة الرسالة الأولى التي تسلمها منها ، وقد أدخلت الطمأنينة إلى قلبه ، وأشعرته إلى حد كبير بصدق شعوره حينما كانت تكلمه في الهاتف ،،
جلس على الأريكة حيث دعته للجلوس ،،
وسألها فورا عن بغيتها ،،
فشرحت له الفصول المهمة من قصتها ، من حديث والدها رحمه الله تعالى بشأن خطبة أحمد لها ، وحتى الساعة التي تحدثه فيها ،،
شكر جابر الله عز وجل على النتيجة التي انتهت إليها ليلى ،،
وقال : من يهدي الله فهو المهتدي ،،
ولم يحدثها بشيء عن أحمد ولا غيره ،،
وقد ركزت ليلى في نهاية حديثها على موضوع خالد ، وكيف عليها أن تتصرف معه ؟
فقال جابر : أرى بأن أفضل من نلجأ إليه هو عبد الله ،،
وكانت ليلى قد سمعت عن عبد الله من والدها ،،
فوافقت على اقتراح جابر ،،
على أن يكلمه هو في الموضوع ليعرف رأيه .
قال جابر : الوقت الآن متأخر ليلا ، وليس من المناسب الاتصال بعبد الله في مثل هذا الوقت ، وسوف اتصل به غدا صباحا إن شاء الله تعالى وأخبرك بالجواب .
وفي الصباح ،،
اتصل جابر بعبد الله ، وطلب منه موعدا لأمر هام ومستعجل ، فاستجاب له عبد الله ، واتفقا على اللقاء في نفس اليوم ، بعد صلاة المغرب في بيت عبد الله ،،
وقد أخبر جابر ليلى بنتيجة الاتصال بعبد الله ،،
وفي الموعد حضر جابر إلى بيت عبد الله ،،
وشرح له ما يعرفه عن محنة ليلى بالتفصيل ،،
وخرجا في نهاية اللقاء بالنتائج التالية ..
• إذا رغب خالد في الزواج من ليلى فعليها أن تصر على الزواج العلني وأن ترفض الزواج السري بصورة قاطعة ، لأن الزواج السري يحل لها المشكلة الشرعية في العلاقة بينهما ، إلا أنه لا يحل مشكلتها الاجتماعية ، ويعتبر حل المشكلة الاجتماعية هو السبيل الوحيد لخروجها من مأزقها الاجتماعي العام ، ومن شأنه أن يثبت وضعها الجديد .
• أن تتكفل ليلى وحدها بالحوار والتفاوض مع الضابط خالد ، وأن لا يظهر جابر أو عبد الله في هذه الصورة ، على أن يقدما لها الدعم والمساندة من خلف الستار .
• في حال رفض خالد الزواج منها ، فسوف يقطع عنها مصروفاتها ، ويجب التفكير من الآن في توفير جميع مصروفاتها إليها ، واعتبر عبد الله هذه المسألة في غاية الأهمية .
• السعى لإقناع أحمد بأن يسمح لزهراء ومريم برؤية والدتهن .
• السعي لإصلاح علاقة ليلى مع عائلتها .
• أن يلتقي عبد الله بليلى بهدف تثبيتها .
• أن يكون النظر في باقي الموضوعات على ضوء المستجدات .
وقد سجل جابر جميع النقاط المتفق عليها في ورقة .
ولما كانت ليلى تنتظر نتائج اللقاء على أحر من الجمر ، اتصل بها جابر بعد انتهاء اللقاء من بيت عبد الله وطمأنها ، واتفق معها على أن يمر عليها في شقتها بعد ( 45 : دقيقة تقريبا ) بصحبة ابنته فاطمة ، وكان عبد الله قد أوصى جابر بالحرص الشديد على عدم الخلوة مع ليلى .
وكان الضابط خالد قد اتصل من قبل بليلى وأخبرها بأنه لن يزورها في تلك الليلة ، لأنه مرتبط مع والده .
بعد أن خرج جابر من بيت عبد الله ، ذهب إلى بيته ، وأخذ أبنته فاطمة ، وذهب معها إلى شقة ليلى ،،
استقبلته ليلى بلهفة ،،
فشرح لها ما دار في اللقاء مع عبد الله ،،
وطرح عليها النتائج التي خرجا بها ،،
فقبلتها ليلى جميعا ،،
وشكرت الله عز وجل على نعمة الهداية والتوفيق ،،
وقالت لجابر : أشعر بأن يد الله سبحانه وتعالى تمتد إلي لتنتشلني من المستنقع الذي أوقعت نفسي فيه ، وتأخذني إلى طريق الخير والمغفرة ، ولا أرى بأني فعلت شيئا أستحق به هذه النعمة العظيمة ، وما خطرت ببالي منذ سقطت في مستنقع الرذيلة ، فربما تكون هذه النعمة نتيجة لدعوات والدي العبد الصالح رحمه الله ،،
فقال جابر : وربما تكون ثمرة من ثمرات تربيتك الأولى يوم كنت تحت ظل أبيك رحمه الله تعالى ، قد ظهر أثرها في حياتك ولم تضع سدى ، وأن الله عز وجل رحيم بعباده جميعا ، ويريد لهم الهداية والجنة ، وأن العبرة في الخاتمة ، فاسألي الله عز وجل حسن العاقبة ،،
فأكدت له ليلى : بأنها متمسكة بخيار التوبة وماضية فيه إلى الموت ، ومهما كان الثمن ،،
وسألت جابر لها الدعاء بالثبات والتسديد .
************
في الليلة التالية ،،
وبعد صلاة العشاء ،،
زارها الضابط خالد ،،
ودار بينهما حوار طويل ومفاوضات صعبة ،،
وقد حاول معها لكي تقبل بالزواج منه في السر ،،
فهذا أقصى ما يستطيع أن يقدمه من أجل البقاء معها ،،
إلا أنها رفضت بإصرار ،،
وقالت له : ليست المسألة لدي تقف عند حدود العلاقة الشرعية معك فحسب ،،
هذه مسألة في غاية الأهمية ،،
ولكن أيضا : كيف أثبت على طريق التوبة وأمضي فيه بثبات إلى النهاية ،،
فقد كنت فيه فأزلني عنه الشيطان الرجيم ،،
وكيف أعود إلى مجتمعي وناسي الطيبين الذين باعد الشيطان بيني وبينهم فهجرتهم منذ زمن بعيد ،،
وأكدت له : بأنها غير مستعدة للتراجع عن خيار التوبة بأي ثمن من الأثمان ، حتى لو كان الثمن الموت ، وبأي طريقة كانت .
لقد وجد خالد في ليلى روحا جديدة ،،
ووجد عندها لغة جديدة ،،
ووجد عندها إصرارا غريبا لم يعهده لديها من قبل ،،
فهي تبدو أمامه الآن امرأة فولاذية ،،
لها مهابة في نفسه ،،
ولم يعهد منها من قبل ممانعتها له في شيء ،،
فكانت الاستجابة للطلبات متبادلة بينهما ،،
وأما ما يراه اليوم فهو شيء جديد وغريب ،،
وهو يشعر أمامها الآن بالتقييد ،،
وبعدم حرية الحركة والتصرف ،،
وهذا مما لم يعهده معها من قبل ،،
ولم يكن يتوقع أن يحدث ما حدث في حياة ليلى ،،
ولم يخطر ذلك بباله من قبل ،،
ففي تقديره :
أن البعد ما بين ليلى وخيار التوبة ،،
كالبعد بين المشرقين والمغربين ،،
لا يجتمعان .
وما كان لخالد أن يصدق حدوث شيء مما حدث ،،
لو لا أنه يراه بنفسه ،،
بل هو في الحقيقة في حالة ذهول ،،
غير مصدق لما يسمع ويرى ،،
ولم يتمكن من فهمه ،،
فهو يكرر ألفاظا ، مثل :
لا أفهم ، لا أصدق ، أكاد أجن ، أنا في يقظة أم في منام ، هذا غير معقول ،،
وكانت تجيبه بعبارات ، بمثل :
يجب أن تصدق يا خالد ، هذه حقيقة وليست بوهم أو خيال ، أنا تغيرت ولن أعود عن خيار التوبة ، الله يخرج الحي من الميت ، الله يحي الموتى وهو على كل شيء قدير ، لقد أشرقت على قلبي شمس الإمام الحسين ( عليه السلام ) الحمد لله الذي هداني بفضله وأرشدني إلى الصواب .
واستمرت الحوارات والمفاوضات بين خالد وليلى لأكثر من أسبوع ، وبشكل يومي تقريبا ولساعات طويلة ، وقد تضمنت الأغراء والتهديد والاستعطاف والرجاء ، وغيرها من الأساليب التي كان بوسع خالد أن يستخدمها مع ليلى ،،
إلا أن نور العشق الإلهي قد أضاء قلب ليلى وبصيرتها ،،
وقد جرى نهر الحياة في وجودها ،،
وأمدها بأسباب الحياة والبقاء ،،
وقطعت مسيرة ألف عام في ساعات قليلة ،،
فصمدت بقوة أمام كافة الأساليب التي استخدمها معها خالد ،،
فلم تتزحزح عن باب المولى عز وجل ،،
وولجت في ساحة القدس ،،
لتبقى فيها إلى الأبد .
وكان جابر وعبد الله يمدانها بالدعم المعنوي من وراء الستار ،،
وكانت ليلى تشعر بأن الله عز وجل من فوقهما يمدها بالقوة والتسديد في الجواب ويهديها إلى الصواب في التصرفات ،،
فكانت النتيجة بحمد الله تعالى : ترك خالد ليلى إلى حال سبيلها .
***********
وفي هذه الفترة ،،
نجح جابر في إقناع أحمد بالسماح لزهراء ومريم بزيارة والدتهن ،،
فقد شرح له المستجدات في حياة ليلى ،،
ولم يكن أحمد ليصدق ما نقله له جابر من المستجدات في حياة ليلى ـ فهي في تقديره بحكم المستحيل ـ لولا ثقته بصدق جابر وإخلاصه ، فهو أحد الأصدقاء الذين توثقت علاقته معهم بعد انفصاله عن ليلى من خلال المسجد ،،
ولولا علمه بوجد عبد الله في الموضوع .
وقد ذهب أحمد بعد الاطمئنان إلى حدوث المستجدات إلى مدى بعيد في المساعدة ،،
فقد تكفل بدفع أيجار الشقة التي تسكن فيها ليلى ،،
وسمح لزهراء ومريم بالبقاء مع والدتهن ،،
وساهم بسخاء في مصاريف ليلى .
وكان من شأن هذه النتائج الطيبة والسريعة : أن تشعر ليلى بالاطمئنان ، وتقوي من عزيمتها على الثبات ، فقد استبشرت بكل ذلك خيرا .
وبعد شهرين تقريبا من المساعي الخيرة التي قام بها جابر ومن خلفه عبد الله ،،
قامت ليلى بزيارة عائلتها في بيتهم ،،
وكان البيت بطبيعة الحال متهالكا ،،
وكان اللقاء الأول ليلا ،،
وقد تحول إلى مأتم عزاء على فراق المرحوم الحاج محمود ،،
إلا أن استقبال الأم والأخوة لليلى كان في نفسه رائعا وجميلا ،،
فقد نجح في طي صفحات الزمن الأسود ،،
وكان بلسما لجروح النفس والقلب .
وفي نهاية اللقاء : أخذت ليلى معها إلى شقتها علياء ، وأخوها فاضل .
واستمرت لقاءات جابر وعبد الله بشأن ليلى ،،
وكانت ليلى تشارك في بعض اللقاءات ،،
وقد بحث عبد الله مع جابر إمكانية عودة أحمد للزواج بليلى ،،
وتوصلا إلى النتيجة التالية : أن ذلك ممكنا ،،
ولكنه يحتاج إلى بعض الجهود ،،
فتقرر :
• أخذ موافقة ليلى أولا ،،
• أن يقوم جابر بجس النبض مع أحمد بصورة تدريجية ،،
• أن يطلع جابر عبد الله على النتائج أولا بأول للاتفاق على ما ينبغي عمله مع كل مستجد .
وقد وافقت ليلى بعد إقناعها بإمكان التغلب على كافة الصعوبات النفسية والاجتماعية ،،
وشرع جابر في مهمته مع أحمد ،،
وبعد خمسة أسابيع : تقرر أن يلتقي عبد الله مع أحمد ليفاتحه بالموضوع ،،
وكانت ليلى على علم بكل المستجدات والتطورات في الموضوع .
وجاء اللقاء مع أحمد وكان في بيت عبد الله ،،
وبحضور ثلاثي : عبد الله ، وجابر ، وأحمد ،،
وفي اللقاء : بعد المجاملات المعهودة : ذكر عبد الله لأحمد بأن الهدف من اللقاء هو التفكير في موضوع ليلى ، والسعي لمساعدتها ، وعمل ما يمكن عمله من أجلها ،،
وقد رحب أحمد بذلك بكل سرور ،،
وكشف عن حبه الشديد إلى ليلى ،،
واعترف بأنه أخطأ كثيرا بحقها ،،
وأنه فرط فيها بدلا من المحافظة عليها ،،
وأنه السبب الأول في انزلاقها إلى الرذيلة .
وبين أنه لم يستطع بعد تجربته معها الإقدام على خطوة الزواج من غيرها ،،
فقد عزف عن الزواج رغم تحريض أصدقاءه الدائم له عليه ،،
ولم يكن يقبل أن تذكر ليلى بسوء أمامه رغم ما اشتهر عنها ،،
وأنه لم يشعر بالحقد عليها في يوم من الأيام ،،
وأنه قد صارح أصدقاءه ـ ومنهم جابر ـ وقال لهم : بأنه كان السبب الرئيسي لانزلاقها إلى الرذيلة ،،
وكان يعرب دائما عن أسفه الشديد لذلك ،،
وعن حيرته في البحث عن الطريق للتكفير عن الذنب الذي أرتكبه بحقها وبحق الحاج محمود الذي وصفه بالعبد الصالح الوقور .
وقال : رغم جهود الأصدقاء للتخفيف عني ،،
إلا أني لم أشعر بالراحة أبدا ،،
ولا في يوم من الأيام ،،
منذ فارقت ليلى .
وقال : كلما أنظر إلى زهراء ومريم ،،
أشعر بالحزن الشديد والأسى ،،
ولا أملك مسك دموعي في كثير من الأحيان ،،
وقد نحل جسمي من الهم .
وقال : أحمد الله عز وجل على عودة ليلى إلى رشدها ،،
ولم أكن أتوقع هذه العودة الحميدة في حياة ليلى ،،
ولو كانت أتوقعها لسعيت إليها من زمن بعيد ،،
ولكن الله يفعل ما يشاء .
وسأل الله لنفسه ولليلى المغفرة وحسن العاقبة ،،
وشكر عبد الله وجابر على جهودهما الصادقة والمخلصة في مساعدة ليلى .
ولما عرض عليه عبد الله مسألة العودة إلى ليلى وافق فورا وبدون تردد ،،
وقال : هذا أقل ما يجب علي أن أفعله من أجلها ،،
وأكفر به عن الذنب الذي ارتكبته بحقها وبحق العبد الصالح الحاج محمود رحمه الله تعالى ،،
وبكى ،،
ثم أقسم بأن يحافظ على ليلى ،،
وأن يسعى لتعويضها عما سلف منه بحقها وبحق عائلتها ،،
وقال : بأنه سوف يدير عينيه لعائلة الحاج محمود ،،
وسوف يسعى ليزيل عنها كل آثار الفقر والحرمان ،،
الأمر الذي لم يفكر فيه حينما تزوج ليلى أول مرة ،،
لأن طمعه كان في ليلى وحدها ،،
ولم يكن يعنيه أمر عائلتها .
وفي نهاية اللقاء : زفت البشرى إلى ليلي على لسان جابر عبر الهاتف النقال ،،
وكانت لديها ـ بحسب تعبيرها ـ البشرى الحقيقية الأولى في حياتها كلها ،،
فحمدت الله تبارك وتعالى على هذه النعمة ،،
وشكرته على هذه الخاتمة الحميدة بعد التجارب المريرة التي مرت بها في حياتها ،،
وسألت الله عز وجل أن يتم عليها النعمة إلى آخر عمرها ،،
فلا يسلبها منها أبدا .
وقد أقسمت أن تحفظ زوجها من جميع الجهات ،،
وأن تضع عينيها على زهراء ومريم ،،
وأن تسعى لتعويضهن عما قد فوتته عليهن في السنوات السود .
وكانت ليلى قد لمست خلال الشهرين الماضيين :
بأن أحمد لم يذكرها بسوء أمام زهراء ومريم ،،
وأنه كان عطوفا عليهن ،،
وحريصا على راحتهن وسعادتهن ،،
وأنه قد بذل كل ما في وسعه من أجلهن ،،
وهكذا كان حال عائلة أحمد معهن .
وقد جرى الاتفاق بين عبد الله وجابر وأحمد وليلى على إجراء عقد الزواج بعد ثلاث شهور ،،
وخلال هذه الشهور الثلاثة ،،
يتم عمل ما يلزم من الاستعدادات لبيت الزوجية .
ولم يكن الشيخ صالح موجودا على قيد الحياة ،،
فقد انتقل إلى جوار ربه قبل سنة ونصف تقريبا ،،
وجرى العقد في الموعد المحدد ،،
وانتقلت ليلى لتعيش في بيت زوجها أحمد من جديد ،،
بعقل جديد ،،
وبقلب جديد ،،
وبروح جديدة ،،
وعاشت ليلى مع احمد وبنتيهما في سعادة غامرة ،،
والحمد لله رب العالمين .

كتبها :عبد الوهاب حسين .
بتاريخ : 16 / شعبان / 1428هج .
الموافق : 30 / أغسطس ـ آب / 2007م .
في دار الحكمة ـ لندن



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: